الجمعة، 17 مارس، 2017

مات الملك، عاش الملك!

اعتدنا في "شرقنا" هذا، وعديد من مناطق العالم الأخرى، على أن نفكر بالحياة على أنها نتاج "آلهة": مرة سماوية ومرات أرضية! لا نتاج جماعات بشرية هي التي تبني وتهدم!

فجميعنا نعرف زنوبيا ورواقها وأعمدتها.. ولا أحد منا يعرف من بنى تلك الصروح؟ ولا كيف عاش الذين بنوها؟ ولا لماذا بنيت أصلا فيما "الرعاع" يعيشون في بيوت من طين!

وجميعنا نفخر بصلاح الدين، وننسى أن عشرات آلاف البشر المقاتلين تحت رايته هم الذين صنعوه وصنعوا مجده، وهم الذين لولاهم لما كان سوى نكرة أخرى في التاريخ!



ربما لا يهم كثيرا أن نتوقف أمام هذا التغييب للعقل فيما يخص الماضي البعيد. يحتج البعض بأن ذلك الماضي له ظروفه وشروطه التي فرضت مثل هذه النتائج!

لكن يهم كثيرا أن هذا التغييب هو نفسه ما يزال مستمرا حتى اليوم، ويجر في ظلماته عقولنا حتى فيما يتعلق بأساسيات مصيرنا اليوم!


يمكن وضع "الجدال العربي" حول ترامب في هذا السياق! فما يزال التسابق يدلي جميع الدلاء في مكان واحد: ما الذي سيفعله ترامب؟ ما الذي سيغيره ترامت؟ ما الذي "ننتظره" من ترامب؟!

لكنه "ترامب"! الرئيس الأمريكي، أي: رئيس واحدة من أعرق مؤسسات الدولة الحديثة! رئيس واحد من أكثر أنظمة العالم استقرارا! رئيس بلد يقود العالم (أو كثيرا منه) ببراعة لا ينكرها عاقل!
فكيف صار الأمر في عقول البعض أمر "خليفة" أو "سلطان" أو حتى "نيرون" يقرر ما يشاء صبحا، ويغير ما يريد مساء؟!

في أمريكا، كما في الدول الموصوفة بالديموقراطية، لا يمكن لشخص أن يقلب السياسة (الداخلية أو الخارجية) رأسا على عقب! فالأمر لا يتعلق به كـ"منشئ" للسياسة، لا هو ولا هو مع مجموعته. بل يتعلق به كـ"مدير" للسياسة التي ينشئها النظام كله، بكل زواياه المرئية وغير المرئية، العلنية والسرية، المدنية والعسكرية، الاقتصادية والاجتماعية.


لذلك لم تعرف أمريكا تغييرا جوهريا في سياستها (أيضا: الداخلية أو الخارجية) منذ عقود طويلة. بل يأتي الرئيس الجديد مع طاقم جديد ليكمل ما بدأه سلفه، ويضيف عليه، ويعدل فيه، ويبني من أجل القادم بعده.
وحين يبدو أن رئيسا ما قد أحدث "تغييرا" كبيرا، سيظهر التمعن في هذا التغيير أنه كان نتيجة منطقية ومرجحة لسلسلة التفاعلات التي سبقته، وبالتالي فالأرجح أن هذا "التغيير" كان سيحدث (بهذا الشكل أو ذاك) مع هذ الرئيس أو مع غيره.

حسنا!
هذا جانب من قصة "عاش الملك، مات الملك". فما دمنا ننظر إلى أنفسنا على أننا مجتمعات "ملوك ورعايا" فمن المنطقي أن ننظر لغيرها الذي سبقنا كثيرا في العديد من المجالات بالمنظور نفسه!

لكننا وحدنا من نخسر من استمرارنا بالتفكير على هذا النحو. فوحدنا من يدفع الثمن باستمرار واقعنا السيء الذي لا يتوقف عن الانفجار في وجوهنا، حاصدا المزيد والمزيد من أولادنا في كل دورة عنف جل أهدافها هو الأمر نفسه: أن يموت الملك ليعتلي العرش ملك جديد!


#بسام_اقاضي
2017/2/1


نشرت في "وكالة أنباء آسيا"