الجمعة، 17 مارس، 2017

عام على رحيل نذير نبعة: الأسمر الجميل

ليس هو الأسمر، لكنه الجميل الذي بثّ الجمال في أرواحنا على مدى ما يقارب نصف قرن، بريشته التي أعادت لـ"السمار" المتوسطي ألقه وجماله، في مئات اللوحات المميزة إلى حد أنّ نظرة واحدة إلى أي لوحة تكفي لتعرف أن روح نذير نبعة هي التي شكّلتها.

نذير الذي ولد بحي المزة بدمشق (1938)، امتلأت روحه بالأبواب السبعة لروح دمشق، لا لحجارتها فقط. فانعكست تلك الروح الثرية بالألوان، الثابتة الخطوات، والمتأملة دائماً في خطوط لوحاته التي اقتناها القصر الجمهوري، ووزارة الثقافة، والمتحفان الوطنيان في دمشق وتدمر، وعدد كبير من المجموعات الخاصة. لكنّها وصلت إلى كل من يشتهي الجمال عندما أتاح الإنترنت الفرصة للقاصي والداني أن يستمتع بها.


لكن القاهرة أيضاً، التي حصل من جامعتها على شهادته بالفنون الجميلة (1965) تركت بصماتها على لوحاته. فبعض من روح الفراعنة تلمسها في وضعيات شخصياته، في الألوان، وفي تقاسيم الوجوه أيضاً.

أكمل نذير دراسته في باريس التي لم تستطع أن تأسره. فعاد إلى سورية، ودرّس الرسم في دير الزور، قبل أن ينتقل إلى دمشق ليحط رحاله فيها حتى غادرها جسده تاركاً روحه فيها في 22 شباط 2016.

من باريس إلى طوكيو، ومن سان باولو إلى موسكو، مروراً بحلب وبيروت والقاهرة والكويت وغيرها.. تنقلت معارض نذير نبعة لتمنح العالم نفحة من عطر دمشق المكثف والمجسد على قماش لوحاته.

كما كل سوري في ذلك الوقت، تربعت فلسطين على عرش ضميره، حتى ظنّ البعض أنه "فلسطيني" لكثرة ما قدم لقضيتها لوحات وملصقات سياسية، خاصة بعد هزيمة 1967 التي هزّت وجدانه بعمق كما فعلت مع أبناء المنطقة كلها. فانضم إلى حركة "فتح" التي كانت رائدة الحركة الفلسطينية المقاومة، وصمّم لها شعار جناحها المسلح "العاصفة" الذي ما زال معتمداً حتى اليوم.

في لقاء له قبل أيام من رحيله، يقول نذير: "شخصية الفدائي هي من أنقذتنا من هذا الإكتئاب" والإحباط الذي عمّ بعد هزيمة 1967. يتابع: "كنا نشعر أنّ هذه الشخصية هي الوحيدة التي يمكن لها أن تدافع عن وجودنا وعن مفهوم الوطن، ولذلك احتلت صورة الفدائي الجزء الكبير من لوحاتي في تلك الفترة، وكان معظمها على هيئة بوستر أو ملصقات، حيث نشأت صداقات وأخوّة بيني وبين الفدائيين".

كما ينبثق الربيع فجأة في أواخر شباط السوري، في حقل ممتد، فيبدو كرنفالاً من الزهور والروائح، حفلت لوحات نذير نبعة بنظرته الفنية الفريدة بعناصر الطبيعة والمكان، مندمجة برموز التاريخ القديم، فتكاد عيناك لا تستطيعان مغادرة لوحته وهما تستزيدان من التفاصيل.

لكن، ربما كان "الهدوء" أكثر ما ميز لوحاته. فرغم كل الزخم فيها سواء في الألوان أو العناصر الطبيعية والبشرية، تبثّ أعماله الهدوء في روح من يتأملها. عيون الشخصيات هادئة متأملة وعميقة. الألوان تنسجم كما لو مياه ساقية رقراقة.

نزار صابور، أحد أشهر الفنانين السوريين، يقول لصحيفة عربية عن نذير نبعة: "كان أستاذاً لأجيال مرت في كلية الفنون الجميلة. اهتمامه بالطلبة ومحبته لعمله جعلته الأقرب إلى غالبيتهم". أما حسن م يوسف، الكاتب والصحفي السوري، فكتب عن نبعة إثر رحيله: "برحيل المبدع الكبير نذير نبعة فقدت دمشق سفيراً فوق العادة من أبنائها، أعطته أسرار قلبها النابض بالحب والخير والجمال".

النساء السمراوات الجميلات، النهود العارية المشرئبة، المزمار، المشربيات والزنابق.. بعض من تفاصيل روح نذير نبعة التي تجلّت على القماش، إلى جانب الحزن والتحدي في "مدرسة البقر" و"الشهيد" وغيرها من اللوحات التي شكلت مساهمته في القضية الفلسطينية.

رفض نذير نبعة، الذي كان بيده أن يختار أي "ملجأ" في أي من بلدان العالم، معززاً ومكرماً، أن يغادر دمشق حين مرضت، فبقي فيها حتى ضمه ثراها في 22 شباط 2016.

نصير شورى، لؤي كيالي، فاتح المدرس، برهان كركوتلي.. وأمس مروان قصاب باشي ونذير نبعة.. تستعيد هذه الأرض أبناءها الذين كانت روحها تسكنهم، فتتجلى خطوطاً وألواناً أثْرت حياتنا، آملين أنّها، هذه الأرض، ستعطينا المزيد من أمثال خالقي الجمال هؤلاء.

المَعارض الشخصية لنذير نبعة:
- صالة الفن الحديث - دمشق 1965
- صالة الصيوان - دمشق 1968
- صالة غاليري واحد - بيروت 1969
- صالة المعارض في المركز العربي - دمشق 1979
- متحف الشارقة / الإمارات 1996
- غاليري بوزار - دبي 1997
- المجمع الثقافي الإماراتي - أبوظبي 1998
- مهرجان القرين الثقافي - الكويت 1998
- متحف الفن الحديث (الكويت) - الكويت 2001

وشارك في العشرات من المعارض الفنية العالمية المشتركة، في باريس ومدريد وبولونيا وسان باولو وموسكو ولا بيزغ وطوكو وبراتسلافا، إضافة إلى معارض مشتركة في دمشق وبيروت وحلب والقاهرة والاسكندرية والكويت.

نال نذير نبعة العديد من الجوائز على أعماله المميزة:
- معرض غرافن آ (1967).
- جائزة تقديرية في بينالي الاسكندرية الدولي (1968).
- جائزة المدرسة الوطنية العليا للفنون الجميلة (1974).
- دبلوم من معرض لايبزغ الدولي في مجال الغرافيك (1978).
- دبلوم من معرض براتسلافا الدولي في مجال رسوم الأطفال (1979).
- الجائزة الفضية في المعرض الدولي السادس لرسوم كتب الأطفال مؤسسة نوما اليونسكو، اليابان (1989).
- جائزة لجنة التحكيم في بينالي القاهرة الدولي (1995).
- دبلوم شرف بينالي القاهرة الدولي (2004).
- وسام الإستحقاق السوري من الدرجة الممتازة (2005).

---------------
بسام القاضي
2017/2/24

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"