الثلاثاء، 28 مارس، 2017

"التغيير الديموغرافي": الكذبة التي عجز الإعلام السوري عن فضحها!

ما تزال أسطوانة "تهجير المدنيين" و"تغيير الديموغرافيا" السورية هي الأسطوانة المفضلة لدى الإعلام الغربي، وإعلام "العربان" المؤيد لثورة "الأخونج"، مستخدمين "المصالحات" التي تقوم بها الدولة السورية مع مناطق محددة يتم على إثرها تخيير الإرهابيين بين البقاء في المنطقة مع تسليم أسلحتهم و"تسوية أوضاعهم" (أي عدم ملاحقتهم أمنيا)، وبين ركوب "الباصات الخضراء" إلى مناطق أخرى عادة تكون إدلب، مصطحبين معهم من يرغب من أسرهم.

تعتمد هذه الأسطوانة كلياً على "التجهيل" بحقائق الواقع، مثل أن هؤلاء الإرهابيين هم معتنقو "عقيدة" مشوهة تقول بأنّ النساء لسن سوى أشياء أوجدها "الله" لخدمتهم، في الجنس والإنجاب والطبخ والنفخ.. وبالتالي لا قرار لهن، ولا لأطفالهن في البقاء في هذه المنطقة أو مغادرتها، بل هن مجبرات على أن يرحلن كغرض آخر من أغراض هذا الإرهابي حين يقرر الرحيل.


ومثل أنّ الإتفاقات التي تجريها الدولة بهذا الصدد تنص بوضوح على مغادرة "من يرغب"، والسماح لكل من يريد البقاء شرط تسليم سلاحه وتسويته وضعه.

لكن الأهم في هذا التجهيل هو إخفاء معلومات بسيطة من نوع، كم عدد الذين غادروا منطقة معينة قياسا بعدد من بقي فيها؟ وكم عدد من كان فيها أصلا وقت "المصالحة" قياسا بعدد من كان فيها قبل المصالحة؟

في آخر "مادة" من هذا النوع، يضج الإعلام الغربي والثورجي بتسوية وضع حي الوعر الحمصي، الذي خرج منه بضع مئات من الإرهابيين خلال الأيام الماضية، وسيخرج آخرون خلال الأيام القادمة، ضمن إطار "اتفاق تسوية" بين السلطات السورية والإرهابيين الذين روعوا المدنيين في حمص.

يقطن اليوم في حي الوعر المذكور، والذي تحول إلى "بؤرة تجمع" لكل الإرهابيين في المدينة الواقعة وسط سورية، نحو 50 ألف شخص حسب العديد من التقارير، بينهم عدد مهم من الذين أجبرهم الإرهابيون أنفسهم على اللحاق بهم من الأحياء الحمصية التي طردوا منها سابقا.

اتفاق المصالحة ينص على خروج "من يرغب" من الإرهابيين وأسرهم، أي كل من يخرج يخرج بإرادته، فخيار تسليم سلاحه وتسوية وضعه خيار متاح لجميع حملة السلاح، وخيار عدم مغادرة أي مدني هو خيار متاح أيضا من قبل الدولة السورية.

حيدر رزوق، الناشط الإعلامي في محافظة حمص، ومراسل "آسيا"، أكّد أنّ عدد سكان الوعر حاليا يقدر بنحو 50 ألف شخص، خرج منهم حتى اليوم الثلاثاء نحو 3700 شخص هم 867 مسلحا و2499 من ذويهم حصرا (على دفعتين).

رزوق المتابع الميداني اليومي منذ سنوات لشؤون حمص يؤكد أنّ التقديرات تشير إلى عدم تجاوز عدد من سيخرجون، إرهابيين مع ذويهم، رقم 6 آلاف شخص.

لكن حيدر رزوق يركز على نقطة بالغة الأهمية: قبل احتلال الحي من الإرهابيين كان عدد سكانه 350 ألفاً! هجره أغلبهم هرباً من القتال. وخروج الإرهابيين اليوم من الحي يعني عودة الكثير من هؤلاء الذين غادروه إلى أحياء أخرى في حمص ومحافظات أخرى في سورية.

"خلال فترة الأحداث وإغلاق الحي خرج منه حوالي 80 % من سكانه، بعضهم إلى أحياء مجاورة، وآخرون إلى محافظات أخرى، وعدد قليل إلى خارج سورية"، يقول رزوق، ويضيف: "ما إن يتم إعلان الوعر آمنا وتدخل الشرطة لحفظ الأمن حتى يعود فوراً ما لا يقل عن 150 ألف مهجر هجروا بيوتهم إلى الأحياء المجاورة".

تظهر هذه الوقائع حقيقة "التهجير" و"التغيير الديموغرافي" الذي يطنطن به إعلام الغرب وزبانيته في المنطقة.

في داريا كان يعيش نحو 250 ألف شخص قبل الحرب، لكن أغلب سكانها فضلوا الهرب من جحيم ميليشيات "الثورة" الأصولية رغم أنهم أصلا سكان موصوفون بأنهم "محافظون دينيا"، لكنّ "محافظتهم" تلك لا تنتمي بحال إلى الإنحطاط الذي وصلته ثورة "الأخونج"، فلم يبق فيها في عام 2016 إلا أقل من 15 ألف شخص (ضمنا الإرهابيون أنفسهم).

في اتفاق "مصالحة" في العام الماضي خيّر هؤلاء الإرهابيون بين الموت برصاص الجيش الذي قرر تحرير المدينة، وبين الاستسلام وتسوية أوضاعهم، وبين الرحيل إلى إدلب، فكم كان عدد من رحل؟!

1217 إرهابيا، وأقل من 1000 مدني من ذويهم!

وهذا العدد الذي "لا يذكر"، والذي بلغ عدد الإرهابيين فيه أكثر من عدد المدنيين، أخفي بمهارة لدى الإعلام الغربي والثورجي، وعنونت المقالات المدبلجة بـ"إخلاء مدينة داريا من سكانها" ووضعت في سياق "التغيير الديموغرافي" الذي تتهم به الدولة!

أليست هذه معلومات بسيطة؟ بالطبع، وهي، على كل حال، مجمعة في أقل من نصف ساعة من البحث والتدقيق.

مع ذلك لن تجدها هكذا، مترابطة في سياق الرد على "التهجير" في أغلب الإعلام السوري بوسائله جميعها، إن لم نقل لن تجدها في أي مكان!

فالرد على تهمة التهجير والتغيير الديموغرافي الباطلة اعتمدت في الإعلام السوري على "الهوجة" و"الشتم" بدلاً من تقديم أرقام بسيطة حقيقية تظهر بوضوح الحقيقة.

قد لا يكون هذا "خطأ"، فالعديد من الأشخاص يوجهون اتهامات مباشرة لهذا الإعلام بأنه تخلف بشدة عن متطلبات هذه الحرب، بل بعضهم يتهمه بأنه شريك فيها ضد الدولة والشعب السوري بسبب "غبائه" و"فساده".

ولهذه الاتهامات ما يبررها، فأحد لا يستطيع الدفاع عن تجاهله لقضايا أساسية في الحرب، ليس فقط في انتهاك لحق الناس المعنيين بهذه القضايا أن يشار إليهم ويركز الضوء عليهم، بل أيضا في عدم تحويله هذه القضايا إلى "منصات إنسانية" عالمية صالحة لمواجهة نفاق المنظمات الدولية وحتى مجلس الأمن، كقضايا المهجرين في ريف اللاذقية، والفوعة وكفريا.

الإعلام السوري الذي انتقده الرئيس الأسد في لقائه مع صحيفة الوطن السورية، لم يعد يجد من يدافع عنه، خاصة الرسمي منه، إلا بعض من يريدون الدفاع عنه من منطلق أنّه "إعلامنا" الذي قدم تضحيات في هذه الحرب، فقد استشهد بعض الزملاء فيه واختطف آخرون.. وهو منطلق يستحق الأخذ بالحسبان، لكن ليس على حساب الواقع المزري.

بسام القاضي
2017/3/28

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"