الجمعة، 17 مارس، 2017

"حدائق الملك" لفاطمة أوفقير: الجلاد غاشم والضحية ليست بريئة

هي زوجة جلاد, ليس من شك بالبطش والعنف الذي قمع به المعارضة أثناء تبوّئه منصب "وزير دفاع, ووزير داخلية في المملكة المغربية، واليد اليمنى لملكين: محمد الخامس والحسن الثاني، حتى اغتياله عام 1972.

الجلاد، الجنرال محمد أوفقير، متّهم أيضاً بما يشبه الثقة أنه من قام بخطف وتصفية المعارض الشهير "المهدي بن بركة" الذي لا يزال شارع في قلب العاصمة دمشق يحمل اسمه.


فالجنرال وزوجته هما من نخبة المجتمع "السياسي"! أو ما يسمى "حاشية البلاط" الأساسية. إلى حدّ أنهما، كلاهما، لم يجدا غضاضة في التخلي عن ابنتهما حين اعترت الملك نزوة أن "يتبناها"! الإبنة التي صارت أيضاً، مع أخوتها الخمسة وأمّها، ضحية عشرين عاماً من النفي, لأن الأم "لاحظت" أن زوجها الجنرال الذي قاد انقلاباً فاشلاً لم "ينتحر" كما روّج الملك، بل إنه "اغتيل" في بلاط الملك نفسه.

يصعب على العقل تجاهل هذه الحقائق، والكثير غيرها، حين يقف أمام مأساة إنسانية بكل معنى الكلمة, ارتكبها الملك الحسن الثاني ضدّ ابنته المتبنّاة أولاً، وأمها وأخوتها الخمسة ثانياً، بعد أن أنجز تصفية أباهم "العاقّ".

حقائق تضعك في موقف صعب, وأن تقرأ تلك الحبكة المشوقة لكتاب الزوجة المنفية: فاطمة أوفقير، عن رحلة الأعوام العشرين من النفي والتعذيب, منذ أفلتت منها عبارة حين تمّ تسليمها بذّة الجنرال الميت، فلاحظت ثقوب الرصاصات الخمس فيها، وعرفت أن انتحاراً لا يمكن أن يحدث بخمس رصاصات, إحداها في العنق! فأفلتت عبارتها: لكنهم قتلوه! ودفعت وأسرتها الثمن, تلك السنوات العشرين.

عشرون عاماً كبرت فيها الأم والخادمتان المرافقتان، كبرت فيها فاطمة، وكبر فيها أطفال كان أصغرهم لا يتجاوز الثالثة من عمره! على أمل أن يموتوا جميعاً في رحلة العذاب هذه, دون أن يتم "قتلهم" مباشرة. إلا أن الجميع صمد وقاوم، ومن ثم نجا, لتروي فاطمة الحكاية في كتابها المعنون "حدائق الملك"، كناية عن إحدى مناطق النفي, حيث نفى زوجها نفسه معارضين آخرين, اختفوا دون أن يعرف أحد قصصهم!

ثم، تمكنت الأسرة كلها من حفر نفق من سجنهما في منطقة صحراوية جنوب المغرب، ففرّ منهم أربعة, بينهم مليكة التي ألّفت أيضاً كتابها الخاص عن التجربة تحت عنوان "السجينة"، الفرار الذي أعاد قصة العائلة إلى الصحافة والإعلام، ومن ثم ساهم في إطلاق سراح الأسرة كلها.

مع كل سطر في الكتاب المشوق تشعر بالقهر, لبساطة وسهولة تحويل الإنسان في هذه المنطقة من العالم إلى "شيء"، إلى خرقة, لا قيمة لها سوى محاولة يائسة للبقاء على قيد الحياة. تتضامن بكل حواسك مع فاطمة وأسرتها.

لكنك لا تستطيع أبداً أن تتوقف عن السؤال:

لماذا شكّل الكتاب، في جزء منه، ساحة "تبرئة" عاطفية للملك والجنرال, اللذين قمعا معارضتهما بأعنف وأشدّ مما قمعت به هي وأسرتها؟! لماذا أصرّت في كل الكتاب على تجميل الملك وإرسال "نفحات المودة" له ولابنه الذي اعتلى العرش بعده؟! لماذا لم تقل كلمة حق واحدة بحق العذاب والموت الذي تعرضت له آلاف الأسر المغربية لأسباب ربما تكون أقل "أهمية" من أسباب فاطمة بألف مرة، فيما عذابها أصعب من عذاب فاطمة بألف مرة؟!

تمكنت فاطمة أوفقير في كتابها المشوق "حدائق النور" الصادرة ترجمته العربية عن "دار ورد" السورية، بترجمة ميشيل خوري، من أن تكشف الظلم الغاشم الذي مورس ضدّها وضدّ أسرتها. لكنها نجحت أيضاً في أن تثبت الدعوى الأساسية: لم تكن فاطمة وزوجها إلا من تلك الطبقة نفسها التي عذّبت المغربيين أيّما عذاب. ولم يكن مشوار عذابها سوى "تصفية حسابات" بين شركاء الدم.

#بسام_القاضي
2017/2/5

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"