الجمعة، 17 مارس، 2017

إعلان الأزهر.. مسلسل الخداع المستمر


لم يكتفِ الأزهر بأنه رفض على مدى وجوده إدانة التنظيمات الإرهابية التي تعتمد على الإسلام في تبرير وشرعنة إرهابها، كالأخوان المسلمين، والقاعدة، و"داعش" بل ها هو اليوم يشرع أسلحته "الناعمة" ضدّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مفضّلاً مصلحة مؤسسته التي تشكل "دولة داخل الدولة" على مصلحة مصر.

ففي موضوع "الطلاق الشفهي" الذي يمارسه ملايين الرجال المسلمين في الدول "الإسلامية"، ويقرّرون من خلال كلمة أن تصير الزوجات مطلقات، وتجبر المحاكم على تثبيت هذا الطلاق، دون أي اعتبار لرأي الزوجة، قرر الأزهر أن ينشر "كتيب" عن هذا الطلاق، يؤكّد على شرعيته وصحّته، ويرفض أن يصير الطلاق إجراء قضائياً كالزواج، لا يمكن تثبيته إلا عبر التقدم بطلب الطلاق في المحكمة، ومن ثم تقرّر المحكمة الطلاق من عدمه.


مشيخة الأزهر حاولت الالتفاف على حقيقة دفاعها عن مبادئ لم تعدْ صالحة لهذا الزمن، فقد أطلق شيخها ما أسماه "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك" الذي قال إن مصطلح المواطنة "أصيل في الإسلام".

الإعلان دعا إلى "تبنّي مفاهيم المواطنة والمساواة والحقوق"، لكنه كالعادة ربط هذه بما تقرّه "شريعة الإسلام"، تلك التي تتضمّن القرآن كما تتضمّن تفسيراته المختلفة، وكما تتضمن فتاوى "ابن تيمية" وغيره.

وادّعى البيان أن "المواطنة هي استدعاء لأول ممارسة إسلامية لنظام الحكم، طبّقه النبي في أول مجتمع إسلامي أسسه، هو دولة المدينة"، وليس "مستورداً"، دون أن يبيّن ما إذا كانت الحقوق المتساوية للرجال والنساء في الزواج والطلاق والولاية على الأطفال هي أيضا من ضمن حقوق "المواطنة" تلك أم لا! أو إن كان منع زواج المسلمة من غير المسلم لا ينتقص من "المساواة في المواطنة"!

ورغم الكلام الكثير في "الإعلان" عن إدانة "الكيل بمكيالين" في سياق التعايش الإسلامي المسيحي، لم يقل شيئاً عن التمييز بين حقوق المسلمين وحقوق غيرهم، ولا في فرض المؤسسات الدينية، وضمنها الأزهر لقوانين تمييزية ضدّ غير المسلمين، بدءاً من التضييق على بنائهم المعابد، وليس انتهاء بحقهم في تربية الخنازير والاتجار بها وأكلها، كذلك الأمر في الخمور.

الإعلان "الأزهري" يعيد اجترار الكلام نفسه الذي نسمعه منذ عقود، بل قرون، عن "تعايش" ليس إلا تعبيراً خادعاً عن حقيقة انتقاص حقوق كل من ليس مسلماً في جميع الدول الموصوفة بـ"الإسلامية". ويدّعي أن الدين (الإسلامي والمسيحي) براء من الإرهاب، فيما رفض مراراً القول بأن عقيدة داعش ليست إسلامية.

وكما العادة يرجع الكلام عن هذه الحقائق إلى "مؤامرات" غربية تريد الطعن بالإسلام، بدلاً من أن يقف أمام الواقع ليعترف بأن الأزهر وغيره لم يفعلوا سوى أن يكرسوا التمييز بين مواطني البلدان، سواء على أساس الدين والطائفة، أو على أساس الجنس.

البيان قال: "ويطالب المجتمعون من يربطون الإسلام وغيره من الأديان بالإرهاب بالتوقف فورًا عن هذا الاتِّهام الذي استقرَّ في أذهان الكثيرين بسبب هذه الأخطاء والدَّعاوى المقصودة وغير المقصودة". لكنه لم يطالب لا الدولة المصرية ولا غيرها بأن تقوم على قصّ ألسن كل الذين يدعون إلى العنف باسم الإسلام، في الأزهر أولاً، ثم في باقي المؤسسات والتنظيمات! لم يطالب بأقصى العقوبات ضدّ كل من يقول بأن "الجهاد" ليس إلا إرهاباً حين يصير من أجل "إعلاء كلمة الإسلام" أو فرض تصوّر هذا أو ذاك للإسلام على باقي الناس.

الأزهر، كغيره، ليس سوى حاضنة تاريخية لجذور العنف الديني الإسلامي الذي شكل أساس الإرهاب الإسلامي. واتهام الإسلام بالإرهاب اتهام لن يصير باطلاً إلا حين يتوقف المسلمون، وخاصة مؤسساتهم الدينية بكافة طوائفها، عن تكريس التمييز بين المواطنين على أساس الدين أو الجنس أو العرق، أو أي أساس عنصري آخر.

حينها، حين يعلن الأزهر حربه ضدّ هذا التمييز بكافة أوجهه، دون التذرّع بـ"الشريعة"، يحقّ له أن يطالب الآخرين بالتوقف عن اتهامه وعقديته، هو قبل غيره.

---------
بسام القاضي

2017/3/6

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"