الجمعة، 17 مارس، 2017

هل ترفع سورية "الحصانة" عن الضابطة الجمركية؟

في العام 2008 صدر في سورية المرسوم رقم 69، والذي تضمن تعديل قانون العقوبات العسكرية، ونص بموجب هذا التعديل على حصر قرار ملاحقة الجمارك (إضافة إلى جهات أخرى)، في أي أمر أو شكوى تتعلق بمهامهم، بـ"القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة".

وهو ما عنى عمليا "حصانة" حقيقية لعناصر هذه الجهة التي يقوم قسم كبير من عملها على الاحتكاك المباشر مع المواطنين، بكل ما يحمله هذا الاحتكاك من إمكانيات استغلال أو تعدي أو سوء استغلال وظيفي.


أدى هذا المرسوم إلى تشريع واقع في سورية هو استباحة عناصر الضابطة الجمركية لصلاحياتهم القانونية، وإقدامهم على اقتحام أي دكان أو مخزن أو حتى بيت بزعم التحقق من وجود مواد مهربة.

النتيجة العملية لهذا الأمر فيما يخص الاقتصاد كانت زيادة الفساد أضعافا مضاعفة في هذا الجهاز الحيوي، إذ لم يعد أمام الناس سوى "التصرف" لحماية أنفسهم، سواء كانت لديهم مواد مهربة أم لم يكن. فهم عاجزون عن الشكوى عمليا نظرا لصعوبة طريق الشكوى الجديد.

وعبر السنوات الماضية بات أمرا شائعا أن ترى عناصر الجمارك يدخلون هذا الدكان أو ذاك، ويبدؤون بالابتسامة التي تعني "إدفع أو نتصرف"! خاصة في ظل سنوات الحرب حيث باتت الكثير من المواد الأساسية تصل إلى المواطن عن طريق التهريب حصرا، ولا يتوفر أي بديل لها محلي أو مستورد، فيما صارت العديد من المواد "النظامية" غالية الثمن إلى حد يعجز الكثيرون عن شرائها فيلجؤون إلى النسخة المهربة منها، والتي تكون غالبا أقل جودة وأرخص ثمنا.

أمس، وللمرة الأولى منذ ذلك الوقت، يفتح هذا الموضوع في مجلس الوزراء السوري في جلسته الاسبوعية التي عقدت برئاسة رئيس الحكومة عماد خميس.

وسائل إعلام رسمية نقلت الخبر واكتفت بالإشارة العابرة إلى أن هذه الجلسة "قررت إعادة النظر بدخول عناصر الضابطة الجمركية إلى المحلات التجارية داخل المدن"، مشيرة إلى تكليف وزارتي المالية والإقتصاد بعقد "اجتماع تنسيقي" مع الفعاليات التجارية للوقوف على آرائهم ومقترحاتهم حول هذا الأمر.

وأشارت إلى أن مشروع قانون جديد للجمارك يجري العمل عليه حاليا، "ويراعي ضبط هذه الحالة".

ربما تصل هذه المحاولة إلى نتيجة فتتوقف هذه العشوائية وهذا الاستغلال بآلية صحيحة. لكن هذا لن يحل المشكلة القديمة المتمثلة بحصانة عناصر الكثير من الأجهزة الأمنية من أي ملاحقة قضائية مهما كان ما يرتكبونه أثناء أدائهم مهماتهم. فهذه الحصانة العملية أدت إلى استباحة الكثير من هؤلاء العناصر، وضمنهم قادة في تلك الأجهزة، لمناصبهم ليس فقط في جمع الثروات، بل أيضا في ترويع الناس وتخويفهم ومعاقبتهم على أفعال لم يرتكبوها، أو حتى لكسب رضا شخص ما متنفذ سبق أن "انزعج" من شخص آخر.

فحصانة الأجهزة التنفيذية ذات العلاقة المباشرة واليومية بحياة الناس، من الملاحقة القضائية المدنية العادية، ومن إمكانية الناس الشكوى ضدها وفق آليات صحيحة ومدنية، سواء كانت حصانة رسمية أو عملية تؤدي إليها قوانين كالمرسوم المذكور أو مراسيم سبقته تحمي أجهزة المخابرات، تعني منح هذه الجهات السلطة المطلقة فوق السلطات التشريعية والقضائية. وهي إحدى المشكلات المزمنة في سورية، والتي يعدها الكثيرون أحد الأسباب الداخلية في تدهور الوضع الداخلي في سورية.

بالطبع، لا يمكن لبلد في العالم أن يسمح بأن يكون "النيل" من أجهزة أمنه أمرا سهلا. فهذا سيغرق هذه الأجهزة في مشاكل لا بداية لها ولا نهاية. لكن إيجاد الآلية المدنية الصحيحة والشفافة والتي تمر حكما عبر القضاء المدني العادي، والتي تهمل كل الشكاوي الكيدية وغير المزودة بدلائل كافية في الوقت نفسه، هو الطريق الصحيح لضمان حماية حقوق الناس من بطش السلطة التنفيذية من جهة، وضمان تمكن هذه الأجهزة من القيام بعملها النظامي من جهة أخرى.

السلطة التنفيذية، خاصة الأمنية منها، هي بطبيعتها تميل إلى الفساد والسيادة على حياة الناس. وإمكانية الناس على مواجهتها مدنيا هي التي تحد من هذا الميل. وكلما حرم الناس من إمكانية هذه المواجهة، كلما اتجهت الأمور إلى المزيد من الفساد والتغوّل وتراكمت أسباب العداء بينهما.

----------
بسام القاضي

2017/3/8


نشرت في "وكالة أنباء آسيا"