الجمعة، 17 مارس، 2017

"حوار الأديان": الكذبة التي يصدقها أصحابها

مضي وقت طويل، ومؤتمرات وندوات ونقاشات لا تنتهي، على بدء ما سمي بـ"حوار الأديان"، ما تزال النتيجة تساوي الصفر تماما. تماما دون إحراز أي تقدم من أي نوع سوى جلوس "المعممين" بعضهم مع بعض، إن صحت تسمية ذلك "تقدما"!

ويبدو أنه لن يتم إحراز أي تقدم لاحقا، مهما صرفت من نقود على هذه "الكرنافالات"، ومهما قيل بشأنها من إيجابيات تخفي الحقائق لصالح صورة مزركشة ليس لها أي أساس من الواقع ولا من المستقبل.

فالأمر الجوهري البسيط الذي يسعى الجميع إلى إخفائه هو حقيقة أن "عداء الأديان" متأصل فيها، بنيوي، يقوم على مبدأ هو أساس  وجود كل دين: أنا الحق وغيري الباطل! أنا "الفرقة الناجية" وغيري الفرق الغارقة! أنا "محبوب الرب" وغيري متدرجون من المغضوب عليهم إلى الضالين!



كلها تقوم على هذا المبدأ. وكلها تتضمن كل ما يجعل أتباعها خير من غيرهم، أقرب إلى الله، وأصدق، بل ومكلفين بنشر هذه "الحقيقة" بكل الوسائل!


وهذا المبدأ البسيط هو جذر كل عنف، ضمنا العنف الديني. فالسبب الرئيسي الذي يدفع إلى عنف البشر بعضهم ضد بعض هو اعتقاد الشخص (أو الجماعة) أن له من الحق ما ليس لغيره. وبالتالي سعيه لإنفاذ هذا الاعتقاد بحرمان الآخرين من حقوقهم، سواء كانت الزواج من امرأة أو إقامة معبد أو حتى الاعتقاد بإله أو دين بعينه.


ومن هذا المبدأ البسيط الجوهري تتفرع كل السبل التي تجعل العنف والكراهية ضد الآخر مشروعة تماما، وغالبا: واجبة. وبالتالي هو المبدأ الذي يجعل الأديان متصارعة منذ وجد كل منها. وهو المبدأ الذي لن يتوقف هذا الصراع بينها ما لم يتم إيجاد حل جذري له.


اعتقد الغرب أن "علمانية الدولة" هي سبيل باتجاه تحييد هذا الصراع (سواء كان بين الأديان أو بين الطوائف). وهذا صحيح مؤقتا. فإبعاد الدين عن السياسة حمى الناس من تفاقم وتفجر هذا الصراع. لكنها حماية مؤقتة مرهونة بالعديد من الظروف أهمهما "رفاهية" الحياة التي تسمح للناس أن لا تنشغل بأولوية "المرتبة عند الله". وإن حدث أن انهار التقدم الاقتصادي في الدول العلمانية، وتراجعت إلى الأزمات المعاشية التي يعيشها العالم الثالث، فمن المشكوك فيه أن تستمر العلمانية في حماية المجتمع من العنف الديني! وهناك الكثير من الأمثلة التي تشير إلى هذا المصير.

نزع فتيل هذا الصراع نهائيا يحتاج إلى ما لا تجرؤ مؤتمرات ومناقشات "حوار الأديان" على طرحه. بل لنقل أن كل القائمين عليها من كل الأديان ترفض طرحه جملة وتفصلا.
أي: نزع كل ما يمت إلى تفضيل دين على غيره في نصوص الدين نفسه ومرجعياته المقدسة وطقوسه. واعتباره "إرثا تاريخيا" كان له وقته وضرورته التي انتفت مع تقدم البشرية.

لكن، من ذا من رجال الدين الذي سيقبل أن يقول أن بعض دينه قد أكل عليه الزمن وشرب، وبات أرشيفا وتاريخا غير صالح للحياة اليوم؟!



------------
*- يقول البعض أن المسيحية لا تتضمن "تعاليم عنف وإكراه". هذا صحيح إن صح أن المسيحية تنكر "التوراة"، أو "العهد القديم" بكل ما فيه من تعاليم! لكن الحقيقة أن جميع الكنائس المسيحية تقريبا تعتبر العهد القديم هو الأساس، هو "الشريعة"، بما يخرجها نهائيا مما يدعيه ذلك البعض.


بسام القاضي

2017/2/8

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"

http://www.asianewslb.com/?page=article&id=52182