الجمعة، 17 مارس، 2017

كيف تقتل طفلتك "شرعاً" بخطوة واحدة؟

قبل نحو ثلاثة أعوام، تحديداً في نيسان 2014، أبطلت محكمة سودانية زواجاً كان قد "عقد" بين رجل في الأربعينيات من عمره، وطفلة في الخامسة من عمرها، اسمها أشجان! أبطل الزواج بعد ثلاث سنوات، أي عندما صارت الطفلة في الثامنة من عمرها!

صدمت هذه الحادثة الرأي العام السوداني. لكن هذه لم تكن حادثة "منفردة"، إذ إن زواج الطفلات هو انتهاك واسع النطاق في السودان، ويحظى بتأييد العديد من الفعاليات وزعماء القبائل، وخاصة رجال الدين الذين يدّعون أنهم "ينفّذون الشريعة الإسلامية"!


لكن القانون السوداني هو أيضاً يدعم هذا الزواج، فقانون الأحوال الشخصية يسمح بزواج الطفلات منذ بلوغهنّ العاشرة من عمرهن، في الواقع أن القانون لا يحدد سنّاً أدنى للزواج، لكنه يقول إن الفتاة التي تبلغ العاشرة من عمرها تستطع أن تتزوج بـ"إذن من القاضي"!

يقف الكثير من رجال الدين خلف هذا التصاعد المريع لواحد من أسوأ الانتهاكات بحق الطفولة، فهم يشجعون عليه بذريعة "الوقاية من الرذيلة"، وينسبونه إلى "الإسلام"، الأمر الذي سرّع بشدة في انتشاره بين العديد من القبائل والمناطق السودانية.

أحد هؤلاء، الشيخ عمر موسى، كان قد صرّح لصحيفة سودانية بأن "المرجعية لا ينبغي أن تكون للمنظمات التي تقول أنها معنيّة بحقوق الطفل أو المرأة أو غيرها".. بل فقط لـ"فعل النبي"! فذاك الفعل، برأي موسى، هو "أقوى الأدلة". ويعيد تكرار الذريعة نفسها التي يتبناها معظم رجال الدين المسلمين في المنطقة: أن تبدو عليها علامات الأنثى الجسدية، وأن تكون قادرة على النكاح!

يرفض هذا "الشيخ" كما الكثيرون غيره في عموم العالم الإسلامي، وكما تفعل أغلب القوانين المعنية من سورية إلى المغرب، تسمية "الطفلات"، بل يسميهن "قاصرات"، يتضمّن هذا اللعب بالكلمات إرادة بنزع صفة الطفولة عن التي بلغت العاشرة (أو حتى الرابعة عشرة) من عمرها! فهي "قاصرة" لأنها تحت سنّ "الرشد" الذي يسمح لها بالتصرف بممتلكاتها، لكنها "ليست طفلة"، حتى لا يقع في إقرار بأنه يعتدي على طفلة!

دراسة سابقة لصندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة كانت قد اعتبرت "الفقر" أحد أسباب هذا الانتهاك، لكنها أشارت بوضوح إلى أن "حماية الفتيات من التحرّش غير الأخلاقي" هو سبب شائع أيضا، وهذا تعبير موارب آخر عن الفشل الذكوري في الحدّ من اعتداءاته على النساء، والطفلات بشكل خاص.

في مسح رسمي أجري في العام 2010 تبيّن أن 40% من النساء في الريف قد تزوجن تحت سن 18 عاماً، و28% من نساء المدن، وفي العام 2013 قالت اليونسيف أن هذا "الزواج" قد ازدادت حدّته بشدّة في بعض الولايات السودانية كدارفور التي وصلت النسبة فيها إلى 58 %، مؤكدة أن نحو 15 % من هؤلاء الطفلات يتزوجن في عمر لا يتجاوز 14 عاماً، وبعضهن في عمر 10 سنوات!

ليست أشجان وحيدة في مثل حالتها، بل "أشواق" أيضاً كانت طفلة حين اغتصبها "زوجها" لتصير "أصغر أم سودانية" بعد أن وضعت طفلها وهي لم تبلغ السادسة عشرة من عمرها.

أشواق كادت تفارق الحياة أثناء الولادة، أصيبت بتشنجات خطيرة، ودخلت في غيبوبة لـ 17 يوماً، وما تزال تتابع جلسات علاج نفسية لدى المختصين.

"هيئة علماء السودان"، الجهة الأصولية التي دأبت على "تشريع" انتهاك حقوق النساء والأطفال، أيّدت زواج الطفلات! فقد دعا أمينها العام، محمد عثمان صالح، إلى "عدم منع زواج القاصرات باعتباره يحقق منافع كثيرة" مستنداً إلى أن "الإسلام لا يمنع زواج الصغيرة، وإنه مباح".

وزعم هذا "الشيخ"، أسوة بالكثير من المشايخ الآخرين على امتداد العالم الإسلامي، أن "الطفولة هي فقط دون الحلم"، أي قبل أن يستمنى الطفل وتحيض الطفلة!

صندوق الأمم المتحدة للسكان قال في الوقت نفسه أن 95 بالمئة من حالات الحمل وسط المراهقات في السودان، بين أعمار 5 إلى 15 سنة، "تحدث داخل الزواج"!

أمام هذا الواقع الفظيع بادر ناشطون وناشطات في السودان إلى إطلاق حملة واسعة النطاق لمكافحة هذه الظاهرة، معتبرين أنها "جريمة" بحق الطفولة.

إحدى الناشطات في هذه الحملة قالت لموقع سوداني أن الحملة التي بدأت في 10 الشهر الجاري وتنتهي اليوم، حققت رواجاً هاماً على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لم تبدُ أيّة آثار جدية لها في الواقع بعيداً عن العالم الافتراضي.

منظمة "سودانيات ضد العنف" أعلنت وقوفها بشدة ضد تزويج الفتيات ما دون 18 عاماً، واعتبرتها "جريمة ضد الطفولة وانتهاكاً للبراءة".

ودعت المنظمة في بيانها "المجتمع داخل السودان وخارجه للتخلي عن انتهاك حقوق الطفل قصداً"، وطالب البيان أن تتوقف الأسر عن الضغط على طفلاتها بهدف تزوجيهن.

وطالبت المنظمة بمعاقبة "كل من يرتكب مثل تلك الجريمة، لأنها تندرج ضمن جرائم ضد الإنسانية".

ليس ختان النساء (قطع البظر جراحياً) وحده المشكلة التي تعاني منها الكثير من نساء السودان ومصر وغيرها، ويدفعن ضريبتها طوال حياتهن مهما امتدت وتطورت، بل أيضاً "الزواج المبكر"، أو باسمه الحقيقي "زواج الطفلات" هو مشكلة أخرى باتت تؤرق الناشطين في المجتمع السوداني.

لكنها أيضاً ليست مشكلة خاصة بالسودان، وإن كانت متفاقمة فيه.

ففي سورية يثبت الزواج الذي يعقد خارج المحكمة إذا "رأى القاضي احتمال جسمها" للجماع، حتى لو كان عمرها 12 سنة! وفي إيران يسمح للفتاة بالزواج ما إن تبلغ 13 سنة وفق القانون، وأدنى من ذلك "بموافقة ولي الأمر"! وفي السعودية في سن 16 مع السماح للمحكمة بتسجيل أي زواج لعمر أدنى من ذلك إذا "وافق القاضي"!

ورغم أن دولاً أخرى تنصّ على سن زواج في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة دون استثناء، إلا أن الواقع يشهد الكثير من هذه الزيجات التي تجري "عرفياً"، ولا تسجل في المحكمة حتى بلوغ السن المطلوب، بما يؤكد أن رفع سن الزواج وحده لا يكفي ما لم يجرِ وضع عقوبات مشددة على كل الأطراف المشاركة في عقد هذه الزيجات، وإبطال الزواج بقوة القانون.

ويبقى لرجال الدين في الدول التي تكني نفسها ب"الإسلامية" الدور الأهم في ترويج هذه الجريمة، والتي لن تتراجع أو تتوقف حتى توقع عقوبات صارمة على هؤلاء، رجال الدين، في كل مرة يشجعون فيها أو يبررون هذا الانتهاك للطفولة.

------
بسام القاضي
2017/3/15

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"