الخميس، 16 مارس، 2017

المهابهاراتا": الشرق المكتنز بالدم و"الحكمة"


 حين قرأت "كلمة لا بدّ منها" للمترجم "عبدالإله الملاح"، شعرت بالصدمة! أحقاً لم تترجم هذه الملحمة إلا الآن (الطبعة الأولى صادرة عن دار ورد 2002)؟! فقد مرت في ذاكرتي بطريقة ما مراراً وتكراراً، لكن المترجم يقول إنها الترجمة الأولى الكاملة، فيما كانت هناك ترجمة مختصرة مبسطة وحيدة!

زادت غرابتي وأنا أحاول التأكد عبر غوغل إن كانت حقاً هذه الترجمة الأولى، فإذا بعشرات الإشارات تؤكّد أن "العرب" قد ترجموها قديماً! لكن أحداً لا يعرف إن كانت تلك الترجمة قد ذهبت مع دماء البغداديين في دجلة حين صبغه الهمج بدماء الكتب والبشر معاً، أم دفنت مع آلاف الرؤوس والكتب التي دفنها الانحطاط السريع لما سمّي بـ"الحضارة الإسلامية" التي لم تحتمل أكثر من قرن ونيف من "الانفتاح" قبل أن يغلقها المشائخ لتتعفن من داخلها!


على كل حال، نظرة متأنية للمكتبة العربية بكل عناوينها، ستظهر بوضوح مدى الاستلاب الذي وقعنا تحت نيره منذ بدأت حركة النهضة في الترجمة، أواخر القرن التاسع عشر! إذ تكاد الأسماء الغربية (ضمناً الأمريكية الجنوبية) تحتل أكثر من 90 % من الرفوف! فيما تحتل أكثر من 8 بالمئة مما تبقى ترجمات روسية من الحقبة السوفياتية، وفقط ما تبقى لهذا الشرق العظيم الممتد حتى "مملكة الشمس" في جزر اليابان، والذي يعد مهد أهم فلسفة دينية لدى البشر.

لا تختلف "حكايات" المهابهاراتا عن ما قرأناه أو قرأنا عنه من حكاية "الفروسية" الأسطورية في سيف بن ذي يزن، لكنها بنكهة أسيوية، السادة الذين هم بالضرورة أبطال، والذين يشيدون الممالك فتعيش في رغد وسعادة، ثم يهدمونها في حروبهم الطامعة، ثم يبنيها أسلافهم، ثم يهدمها أسلاف أسلافهم..

الأبطال الذين لا يموتون، وإن ماتوا فميتتهم مختلفة عن موت البشر في المبنى والمعنى والمآل، الأبعاد الإلهية، أو المحميون من الآلهة لشخصيات الحكاية، الغدر والخيانة والنميمة والحمق الشائعة والسائدة، بمقابل العقل والحكمة والثقة النادرة.

والخير الذي، حتما وبالتأكيد، تعقد له راية النصر أخيراً! حتى إن كانت "أخيراً" هذه تعني آلاف، أو آلاف آلاف الضحايا!

مشوّق هذا الكتاب، ربما لن تجد صعوبة سوى أننا لم نعتد الأسماء الهندية، فكيف بالهندية القديمة! الأمر الذي قد يحتاج إلى ورقة جانبية لتصنيف الاسماء إن أردت أن لا تضيع أيا من الشخصيات، لكنك كما في كل حكاية، لن تقع في كارثة إن أضعت بعضها، فالرئيسة منها ستبقى في ذاكرتك بكل تأكيد حتى نهاية الكتاب.

العديد من المحاور والأفكار المبثوثة في "ملحمة الهند الكبرى" تذكرك بما يشبهها في تراث المنطقة الأسطوري، الإبراهيمي وما قبل الإبراهيمي. لكن هذا الاسم بالذات "براهما"، قد يثير بعض التداعيات.
فـ"براهما"، هو الإله الخالق للكون، هو "مانح الحياة، سيد الآلهة" خلقته السماء بنفسها، وهو الذي تصدر عنه جميع الأفعال، وهو الذي يرحم ويكرم ويعطف على أحبته.

بالطبع، يقف إلى جانب "براهما" بعض الآلهة العظام الآخرين في الهندوسية، مثل فيشنو (الحفيظ) وشيفا (المدمّر)، في ثالوث مقدس يسمى "تريمورتي". وتتداخل العلاقة بينهم في كل النصوص المتعلقة، إلى حد أنه قد يبدو هنا أن أحدهم ولد من الآخر، فيما يبدو في مكان آخر العكس.

براهما هو، بينهم، المتعالي والمنزّه عن الصفات، هو "الروح الكونية الخالدة" التي تسري في العالم بلا بداية ولا نهاية، وليس "براهما" الاسم سوى تجلٍّ لتلك الحقيقة الطلقة غير الملموسة.
براهما هو أيضاً أول "المشرعين" فهو من "أوحى" بالتشريعات المعروفة باسم "تشريعات مانو" التي قسمت الناس إلى "طبقات" لا تختلف كثيراً عن طبقات أديان سلالة إبراهيم سوى بأن هذه الطبقات واضحة وبسيطة في تعريفها (طبقة رجال الدين، طبقة الجنود، التجار..)، فيما تخفّت طبقات ابراهيم في صياغات مواربة كـ"مراتب العلماء" و"الراسخين في العلم والدين" و"أولياء الامور"، رغم أن الواقع العملي كان يقول بوضوح أن طبقة الكهنة في اليهودية والمسيحية هي السيدة، وقريش في الإسلام هي أيضاً السيدة!

تشريعات مانو، أو "قانون مانو" تضمّنت أيضاً قواعد أساسية في المحاكمات والعقاب والواجبات الزوجية، قواعد أخرى في ردّ التحية، وفي الصلاة والصوم.
لكن أهم ما تضمّنته على وجه الإطلاق هو "التوحيد"! وهذا "التوحيد" هو الذي دفع بعض الدارسين للقول إن هذا الإله "دخيل" على العقائد الهندوسية متعددة الآلهة.

التوحيد في الهندوسية أقدم من التثليث، رغم أن التثليث هو الذي فتح الباب للمصلح الديني الشهير "بوذا" فنقض بعض تشريعات "مانو" المتعلقة بالطبقات، ونادى بالمساواة بين الأفراد وبإلغاء الطبقات بل وبمحاربة الكهنة، ومن ثم كان هو أول "راهب" في التاريخ، قبل أن توجد المسيحية بقرون كثيرة.

ربما يكون التوحيد "البراهمي" متوازياً في الزمن، أو سابق حتى على التوحيد الفرعوني الذي بدأه "أمنحوتب الرابع" في نحو القرن الثالث عشر قبل الميلاد، مع الاشتراك بأن "الشمس"، الإله الواحد الفرعوني، هي أيضاً أحد أهم رموز "براهما" الهندوسي.

"براهما"؟ كم يشبه هذا الاسم "إبراهيم"! لكن مهابهاراتا وضعت في نسختها الأولى نحو القرن الثامن قبل الميلاد، حسب بعض الدراسات، فيما تشير دراسات أخرى إلى أن تشريعات "مانو" التي يعتقد أنها لاحقة للاعتقاد ببراهما، وضعت في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

أي أن "براهما" هو أقدم من ذلك بكثير في عقول وأرواح الهندوسيين، بينما "إبراهيم" مجهول زمن وجوده، بل ومجهول أصله وفصله سوى كلام مرسل عن أنه جاب شمال بادية الشام، قبل أن يتوجه جنوباً ليؤسس سلالة "الأديان السماوية"!

فهل يكون "ابراهيم" المكنّى بالخليل هو التسمية "شرق الأوسطية" لبراهما الهندي ذاك؟ وهل يكون أحد الهندوس الذي انشق عن ديانته الأساسية متعددة الآلهة ليبني دينه الخاص "الموحّد"؟
قد يكون هذا الاحتمال بين أسباب أخرى منعت العرب من أن يسعوا إلى ترجمة واحد من أهم كتب الفلسفة الدينية في التاريخ القديم، فيما سعوا إلى ترجمات لكتب تبدو بعيدة جداً عن "روحهم" كأرسطو، بعيدة ولكنها ليست "فاضحة" ولا تستدعي تساؤلات، رغم أن حتى تلك استدعت تساؤلاتها الخاصة التي تمكنت الإمبراطورية المتعفنة من التعامل معها حرقاً وخوزقة وذبحاً وتقطيعاً لمن تجرّأ على طرحها!

عودة إلى المهابهاراتا، الصادرة ترجمتها العربية عن "دار ورد" بدمشق، فهي لا تكفّ عن دغدغة مشاعرك لتنفعل صارخاً ضد هذا، ومتضامناً مع ذاك، تماماً كما كان بعض أسلافنا يفعلون في مقاهي "الحكواتية" التي أكلها هذا "اللوياثان" الحديث المسمى "العالم الرقمي": فضائيات، وإنترنت، وهواتف ذكية.. وربما بشر يميلون إلى الكسل والغباء!


بسام القاضي
2017/3/16

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"
http://www.asianewslb.com/?page=article&id=56007