الجمعة، 31 مارس، 2017

"رحلة في أقاصي الليل": حين يتلبّسك القرف!

لم يخشَ الجندي والطبيب والروائي، لويس-فرديناند سيلين، في التعبير عن آرائه، وعيشها، لومة لائم، فنصبه الكثيرون، يميناً ويساراً، دريئة يصبّون عليها جام غضبهم الذي حشوه بالكثير من النفاق، إلى جانب بعض الحقائق.

"سيلين" الفرنسي يروي سيرته الذاتية، بحبكة روائية تقارب كثيراً الحبكة الواقعية التي عاشها، في كتابه "رحلة إلى أقاصي الليل" (أو سفر إلى آخر الليل). سيرة ذاتية مليئة بالفقر والهامشية والقهر والانسحاق تحت وطأة عالم بلا رحمة، عالم من القادة العسكرين، والسياسيين، والنخب، والعوام، على حدّ سواء.


على مساحة أكثر من 650 صفحة، تكاد تكون "أمسية واحدة" من الدردشة، بل "البوح" يروي "سيلين" مأساة الحرب العالمية الأولى من جانبها البسيط والعميق: الإنساني، الجانب المدمِّر الذي خلف كائنات مشوهة حتى "أقاصي" أعماقها، كائنات تعيش في عالم هو الآخر ليس إلا "ليلاً" مظلماً، لا ضوء في أوله ولا في آخره.

الأحداث نفسها في الحكاية لا تختلف كثيراً عما هي عليه في الحياة: بطيئة، مكرورة، باهتة، تافهة.. حتى أن "سيلين" اختار لها لغة تكاد تكون نابعة من هذا الواقع نفسه: لغة بسيطة وسهلة، لكنها أيضاً بطيئة ومكرورة وباهتة وتافهة.. إلى الحدّ الذي تكاد تشعر شخصياً بما يشعر به الراوي في كل لحظة، خاصة وهو يطلع "معلقة" في القرف من هذا العالم المقرف، قرف يكاد ينزّ من كل حرف في الرواية!

للوهلة الأولى سيكون هذا منفّراً، فمن منا بحاجة إلى المزيد من القرف في حياتنا "العظيمة" هذه في شرق المتوسط؟ لا أحد بالتأكيد.

لكن الوهلة الأولى تشبه كثيراً الخطوة الأولى في "مستنقع الرمال": ما إن تضع قدمك حتى يبدأ المستنقع بامتصاصك، ساحباً إياك إلى أعماقه في كل حركة، أنت تعرف أن كل حركة ستزيد من غرقك، ومع ذلك لا تستطيع التوقّف عن الحركة.

وأنت تعرف أنك في كل صفحة من الرواية سيزداد قرفك، ومع ذلك لا تستطيع التوقّف عن القراءة!

من مواجهة النازيين كجندي فرنسي، إلى مواجهة الفرنسيين كمدير مشفى للأمراض العقلية، مروراً بإفريقيا المستعمرة والمدمرة من أوروبا الاستعمارية، تتتالى تفاصيل حياة يومية لكائن عادي كان يرغب أن يكون إنساناً، فلم يستطع أن يكون سوى كما كل الآخرين: كائناً تافهاً في عالم تافه.

إنه "الليل"! الليل المدلهم الظلمة الذي يبتلع كل شيء: الحب والأمل، مشاريع "تحقيق الشخصية" وواقع اليوم القاسية، الأوطان والأفراد.. ليل ليست "أقاصيه" سوى امتداد سرمدي له، ليل يكاد يستحيل الخلاص منه، فكلما وجدت ما تهيأ لك على أنه "منفذ"، دارت بك دائرة الأحصنة الخشبية لتثبت لك أن الحلكة هي سيدة كل الاتجاهات.

قد يبدو هذا كلام محبط، فمن سيقرأ هذه الرواية إن صدق ما كتب أعلاه؟
ربما هناك من هو، مثلي، يعرف أن وجود بصمتين متطابقتين هو أقرب إلى المنطق والعقل من وجود حياتين "متطابقتين"، إذاً: هناك في كل حياة "أخرى" ما يستحق أن يُرى عن كثب.

وهذا الذي يستحق أن يُرى عن كثب، سيزيدك غنى.

وربما، في مثل هذه الرواية، سيعرّفك أكثر إلى "كم أنت جميل في عالمك القبيح، أيا تكن حالك".

بسام القاضي

30/3/2017

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"