الجمعة، 17 مارس، 2017

ما الذي لم يقله الأسد لفينيكس الصينية؟!

ضمن "حملة العلاقات العامة" التي قررت الرئاسة السورية خوضها نيابة عن إعلام فاشل جملة وتفصيلا، يأتي حوار الرئيس بشار الأسد مع قناة فينيكس الصينية ليضيف "جمهورا" آخر للفرنسي والتركي والبريطاني والأمريكي والتشيكي و.. التي أجرت حوارات معه منذ بداية الحرب السورية حتى اليوم.

اللقاء الأخير لم يختلف عن سابقيه. فقد أكد الأسد "الثوابت" التي دأب على تأكيدها منذ سنوات: أولوية الإرهاب وتحرير كل الأرض السورية منه، تبعية الوفود المشاركة في المفاوضات من الطرف المقابل للدول الإقليمية والغربية وعدم تمثيلها للشارع السوري، "المصالحة الوطنية" كخيار أساسي لدى النظام مسميا إياها "الحل السياسي"، عدم فعالية التحالف الدولي الذي تزعم واشنطن أنه لمحاربة داعش، والإشادة ببلد القناة التي يجري معها الحوار.


ربما كان الجديد في هذا الحوار أمران:
الأول: هو إشادته الضمنية بترامب، ووصفه لتصريحاته المستمرة منذ حملة الانتخابات حتى اليوم بعد التنصيب والتي تنص على أولوية مكافحة الإرهاب، وصفها بـ"مقاربة واعدة"، وهي المرة الأولى التي يصدر فيها أي نوع من "المديح" لتوجه أمريكي منذ بداية الحرب السورية من قبل أي مسؤول سوري رفيع، فكيف برئيس الجمهورية؟

والثاني: هو السخرية المريرة من فوز النصرة الإرهابية بجائزة الأوسكار عن فيلمها "الخوذ البيضاء". إذ لم يسبق أن أعطى الأسد مثل هذه "الأهمية" لأمر من هذا النوع، لا في صياغة عباراته ولا حتى في عدد كلماته المخصصة لهذا الأمر.

لكن، أليس هنا في هذا اللقاء الصحفي ما لم يقله الأسد؟

يجب أن نرى، أولا، أن طبيعة "الوفد" الذي يجلس على الطرف الآخر من طاولة المفاوضات قد تغير منذ أول "جولة" قبل خمس سنوات. فاليوم لم يعد أشخاص (إرهابيون بالتأكيد) يلبسون عباءة المدنية والديموقراطية هم من يجلسون كممثلين لثورة الإخونج مقابل ممثلي النظام. بل يجلس عليها مباشرة قادة الميليشيات الإرهابية أو من فوضتهم هذه الميليشيات علنا ليكونوا ناطقين باسمها!

ففي جنيف واحد (2012) لم يكن سوى ممثلي الدول التي تحاول تدمير سورية، كتركيا وفرنسا وقطر وبريطانيا، من جهة، والدول التي تدافع عن سورية من الجهة الأخرى، كروسيا والصين.

وفي جنيف الثاني (2014) احتل المقاعد أشخاص كهيثم المالح وسهير الأتاسي وميشيل كيلو..

أما في جنيف الثالث (2016) فتقدم إلى الطاولة أشخاص كـ"العميد" المنشق أسعد الزعبي (مدرب الإرهابيين الأساسي في معسكرت الأردن)، ومحمد علوش، الوهابي الذي أسس مع شقيقه زهران علوش ميليشيا "جيش الإسلام" الإرهابية.

في أستانا (1/2017) صارت السيادة التامة للقتلة: محمد علوش على رأسهم، ومن ثم اسماء الإرهابيين الحربية نفسها: أبو قتيبة وأبو ياسين وأبو جمال.. إلى جانب أسامة أبو زيد ونصر الحريري.

في جنيف 4 (شباط الماضي) صار الإرهابيون حملة السلاح يحتلون نصف عدد مقاعد الجانب المقابل للنظام، بينهم بشار الزعبي وزياد الحريري وفاتح حسون وغيرهم.

إذا؟

التغير الذي طرأ على طبيعة الوفود كما هو واضح، تعبر بدقة عن التغير في سير الحرب السورية نفسها، بعبارة أخرى: في كشف الثورة السورية لحقيقتها علنا دون أي تزييف أو تجميل. فهي الآن تقول بكل وضوح، وعبر "ممثليها" أمام العالم: نحن ثورة إسلام أصولي نقاتل من أجل دولة دينية، وهؤلاء هم من يمثلوننا! أما من كانوا يدعون تمثيلنا سابقا من الكفرة الملاعين أتباع الديموقراطية والمدنية فقد انقضى زمنهم، ومضى وقتهم، ورميناهم في سلة القمامة!

أي أن المفاوضات اليوم تجري فعليا بين النظام من جهة، وقادة الثورة الإرهابية من جهة أخرى، سواء كانت مباشرة بلقاء الأشخاص أو مباشرة عبر الوسيط الروسي النزيه أو الوسيط الديمستوري التابع.

ولن تكون الجولة القادمة، في جنيف أو استانا أو أي فندق آخر في العالم، إلا مفاوضات بين النظام وقوى الإرهاب مباشرة (باستثناء النصرة وداعش طبعا، لاعتبارات معروفة).

وهذا ما يطرح السؤال البسيط: لماذا لا يقول الأسد أن الأمر لم يعد يتعلق ببضعة أشخاص هم حقا لا يمثلون أحدا، ويدعون أنهم يمثلون الشعب السوري أو بعضا منه؟ لماذا لا يقول صراحة أن من صاروا "الطرف المقابل" على طاولة المفاوضات اليوم هم يمثلون فعلا جزءا من الشعب السوري، جزء تم تدميره عبر عقود (ضمنا العقد الأول من حكم الرئيس الأسد) لأصولية تغلغلت في المدارس والمساجد والجوامع والجامعات، سواء عبر "العلاقات المميزة" مع تركيا الأخونجية، أو عبر الصمت المريب عن النشاطات الوهابية، عبر تدمير ومحاربة كل جهة أو نشاط تعمل على الجانب المدني بأي من محاوره؟ أو عبر (وهو الأخطر) الأخونة التي سيطرت على حزب البعث الحاكم أولا قبل أن تسيطر على الكثير من مفاصل الحكومة، برضا وقبول ومشاركة من "قيادة البعث" القطرية ما دام هؤلاء يلهجون بأبدية الحكم وحكمته؟!

لماذا لا يضع الشعب السوري، قبل الصيني والتشيكي وغيره، أمام حقيقة أن النظام (وهذه ليست شتيمة، على الأقل لدى من بقي لديه بعضا من وعي سياسي لم يسحقه مسوخ المخابرات ومسوخ الثورة) يفاوض زعماء الميليشيات الإرهابية مباشرة؟!

هل لأن ذلك سيدفع عددا كبيرا من الناس للتفكير في "هدف" هذه المفاوضات و"نتيجتها"؟ هل لأن ذلك سيطرح أسئلة موجعة إن كان من نتيجة أخرى ستنجم عن هذه المفاوضات سوى "تقاسم السلطة مقابل صمت البندقية"؟!

هل لأن هذه الأسئلة نفسها ستقود إلى الأسئلة الأخطر: إذا، ما دمنا سنسلم الإرهابيين السلطة أو بعضا مهما منها، فلماذا دفعنا كل هذا الدم من أبنائنا وبناتنا؟!

أسئلة صعبة حقا. لكنها ستطرح على أي حال، إن لم يكن اليوم فغدا، أو بعد غد. فهي الأسئلة الصميمية التي طرحتها كل شعوب العالم إثر خوضها حروبا طويلة مدمرة: في فيتنام كما في أوروبا، في الجزائر كما أمريكا الجنوبية.

وحينها سيكون من الصعب جدا على أي أحد أن يتجاهل أو يجمل الأجوبة التي اصطبغت بدمنا، دم كل سوري وسورية أراد لأبنائه أن لا يكونوا عبيدا، لا لإله في السماء ولا لنظام على الأرض.

بسام القاضي

2017/3/13