الجمعة، 17 مارس، 2017

لهذه الأسباب نجا المغرب من "ربيع الموت"!

لن يختلف الأمر كثيرا إن غيرنا الاسم من "مملكة" إلى "جمهورية" أو "دولة" أو "إمارة" أو "سلطنة". فآليات الحكم التي شدتها المملكة المغربية منذ استقلالها لا تكاد تختلف عن غيرها من آليات الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة، باستثناء النظام الوهابي في شبه جزيرة العرب الذي يتميز عن أنظمة العالم كلها بأنه الأشد تخلفا وانحطاطا بكل مفاهيم "الدولة" و"الوطن".

فهناك، كما هنا في سورية والعراق ومصر وغيرها.. اختفى الآلاف في غياهب الزنازين والسجون. قمع الفكر المدني بكل أوجهه وأطلق عقال المارد الديني تحت مسميات متخلفة مثل "الاعتدال" و"التسامح" و"الوسطية" ليفتك بالعقول ويجهز الأرضية خصبة لأبنائه الشرعيين: القاعدة وداعش وتفريعاتهما.


وهناك كما هنا: زعماء يجلسون على الكرسي-العرش فلا يبتعدون عنه إلا بالموت! وشبكة معقدة من المافيات التي تتحكم بالدولة عبر أشد آليات الربط المافيوي فسادا وتشابكا.

وهناك كما هنا يزداد الأغنياء غنى، والفقراء فقرا، والمهمشين تهميشا، والسادة سيادة.. وتتوفر كل عوامل الإنفجار المجتمعي التي لم ينجو منها الغرب إلا لأنه عرف أن الديموقراطية ليست "وصفة سحرية" ولا "جنة"، بل هي "صمام التنفيس" الذي بدونه لا يمكن لطنجرة طبخ بخارية (طنجرة الضغط) إلا أن تتشظى حارقة المطبخ والأطفال والطباخ نفسه!


لكن، مع ذلك، نجا المغرب من أن يقع في جحيم ربيع ليفي! ربيع الموت والهلاك وتدمير الدول والأوطان وتفكيك الشعوب ومؤسساتها! رغم أن الشرارة توفرت هناك. خاصة مع ما سمي "حركة 20 فبراير" (شباط)، التي انتطلقت تزامنا مع انطلاق الحريق في تونس ومصر ومن ثم ليبيا وسورية. لكنها اليوم تكاد لا ترى، ولم تهز المغرب أي من الكوارث التي هزت غيرها.


انطلقت حركة 20 فبراير في 2011 بمقطع فيديو نشره شاب مغربي دعا الناس إلى التظاهر عبر فيسبوك (كالعادة)، ليشكل نواة كرة ثلج كبرت وامتدت ليلحق بها وينضم إليها الكثير من الأحزاب والحركات المغربية.

طالبت الحركة بـ"إصلاحات" سياسية واقتصادية واجتماعية، ورفعوا عنوانا هو "مغرب حر وديموقراطي". شكلت 3 مجموعات رئيسية هيكلها الأساسي، وهي مجموعات "حرية وديموقراطية الآن"، و"الشعب يريد التغيير"، و"من أجل الكرامة، الإنتفاضة هي الحل".

ركزت الحركة مطالبها على "تأسيس ملكية برلمانية" بدلا من الملكية المطلقة القائمة الآن. ووضع دستور جديد "ديموقراطي"، و"حل البرلمان والحكومة وتشكيل حكومة انتقالية تخضع لإرادة الشعب" و"إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ومحاكمة المسؤولين".

تمكنت الحركة من استقطاب الكثير من الشباب في مظاهرها الاحتجاجية. لكنها سرعان ما بدأت بالخفوت والتراجع إلى حد أن ذكرى انطلاقتها التي صادفت قبل أيام لم تشهد أي "نشاط" من أي نوع، سوى محاولة خجول من بعض الشباب لإقامة حفل شكلاني بالمناسبة. بل حتى قادتها المشهورين تحولوا إلى أشخاص غير مرئيين، كل منهم يبحث عن خلاصه الفردي.

أحد المتابعين رأى أن من بين أسباب اختفاء هذه الحركة انشغال قادتها "بتدبير شؤونهم الشخصية" دون أن يتمكنوا من خلق آلية تجديد داخلي لقادتها. آخرون رؤوا أن "تلبية" الملك لبعض المطالب سحبت البساط من تحت أقدامهم، مشيرين إلى خطاب الملك محمد السادس في آذار 2011 الذي عبر عن إطلاق "ورش الإصلاح الدستوري".

تبدو أسبابا غير مقنعة. فالرئيس السوري بشار الأسد لم يقم بتوجيه "خطاب" فحسب في ربيع وصيف 2011. بل إن الدستور برمته قد تغير، وألغيت حالة الطوارئ المفروضة منذ نصف قرن، وألغيت محكمة هي وصمة عار بتاريخ سورية الحديث، محكمة أمن الدولة العليا التي كانت سلطة خارج القانون بأيدي المخابرات السورية لا تخضع لأي من معايير ومستلزمات القضاء السوري.

لكن ذلك لم يغير من الأمر بالنسبة لـ"المتظاهرين" في سورية. كما لم يغير شيئا كل التغيير الذي حاوله حسني مبارك في مصر قبل تنحيه. ولا الوعود القذافية قبل أن يقوم الأطلسي بممارسة إرهابه العلني "المشروع" بتدمير الدولة الليبية وتسليمها لقطاع الطرق الليبيين والخليجيين.

بالطبع لم تحل أيا من عوامل الإنفجار الأساسية في المملكة المغربية. لكنها نجت من الإنفجار. وحلحلت (دون أن تحل) العديد من عوامل الإنفجار الأساسية في الجمهورية السورية، ولكنها ما تزال تحترق بالإنفجار!

الواقع أن أسبابا عادة وراء هذا الفرق الكبير في المصيرين، ربما يكون من أهمها عاملان:
الأول: أن النخب المغربية لم تسقط في هاوية "الخيانة" تحت مسميات روجتها العولمة الكاذبة وسرطاناتها الإعلامية كـ بي بي سي، ولا أدواتها الحقوقية كالشبكة الاورومتوسطية لحقوق الإنسان. بل بقيت، إلى حد بعيد، واعية أن شرط توصيف "معارضة" أن تكون وطنية بالمعنى البسيط والجوهري للكلمة.
إلا أن النخب السوري كانت على العكس تماما. فلم تكتف بأن تخون وطنها وفق كل مفاهيم "الخيانة" المقرة في دساتير وقوانين الدول جميعها، وأيضا وفق أبسط وأسهل مفاهيم الخيانة المجتمعية، بل تحولت مباشرة إلى رأس الحربة في تدمير وطنها ورفض أي محاولة لتحييده عن الإنفجار.

لذلك، تفاعلت النخب المغربية إيجابيا مع التغييرات التي أقدم عليها النظام، أيا كانت أهميتها، دون أن تعتبرها "نهاية الطريق". فيما رفضت النخب السورية أي تغيير، وأصرت على القفز من نقطة إلى نقطة حتى وصلت، في وقت قياسي، إلى مطلب تدمير النظام السوري كله (وليس فكفكته أو تغييره)، وتدمير الدولة ورموزها السيادية الأساسية (وليس تطويرها وتحديثها)!

على الأقل: يثبت التاريخ أن أحدا ممن سمي "معارضة" في أي بلد في العالم لم يقم ببيع معلومات عسكرية عن مواقع وأسلحة جيشه لألد أعدء وطنه (كالصهاينة والأمريكان)، باستثناء حالة النازية، وبعض أفراد على قلتهم من عملاء السي أي إيه العراقيين.

الثاني: أن موقع المغرب الجيوسياسي لا يقارن بحال من الأحوال بموقع سورية الجيوسياسي. فليس لدى المغرب أي "احتكاك" أساسي مع قضايا جوهرة كقضية فلسطين. وليس لدى النظام أية مشاكل مع "تحرير أرضه" من الصهاينة. بل ليس لدى المملكة من "مشروع الوطن العربي" إلا بعضا من شكلياته.

أما سورية فهي في الواجهة تماما: على حدود فلسطين التي اغتصبها الصهاينة منذ أربعينيات القرن الماضي. بعض أرضها محتل من الصهاينة أنفسهم. في القلب من مشروع "الوطن العربي"، الداعم الأول لكل حركات مقاومة الصهيونية، حتى الأخونجية منها (حماس)، الرافضة للخضوع لشروط البنك الدولي والمؤسسات الرأسمالية الأوروبية. وأخيرا: العدو القديم للوهابية والأخونجية اللتان، معا، لم تجدا في شعب سورية وأرضها أي إمكانية لنمو حقيقي إلا في أوساط هامشية ضيقة وغير مؤثرة.

هذا التوصيف لا يعني الشعب وحده. بل الشعب في البلدين، والنظام في البلدين. فكما أمكن أن يصير النظام المغربي في قلب المشروع المقاوم للصهاينة مثلا، أمكن للنظام السوري أن يكون في قلب مشروع التطبيع مع الصهاينة. لكن الأول اختار التطبيع والثاني اختار المقاومة.

إذا، لا يتعلق الأمر بـ"الحظ" كما يوحي العنوان. بل بوقائع موضوعية تفصل بين الحالتين بشكل واضح. الأمر الذي أدى إلى مسارين مختلفين تماما. فبينما نجا المغرب من صهاينته المسلمين، ما زالت سورية تنزف دم شبابها وشاباتها، شيوخها وأطفالها، فيما يحاول صهاينة الإسلام هؤلاء تدمير الدولة ليقيموا مكانها حظيرة دينية طائفية، وخاضعة للغرب الاستعماري وثكنته المتقدمة الصهيونية.



بسام القاضي

2017/2/28

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"