الجمعة، 17 مارس، 2017

إنها "شقراء".. فانتبهوا!

هل سبق أن فكّرتم في "الصفات" الشكلانية التي تطلق على النساء في ظروف وأحداث لا علاقة لها إطلاقا بألوان بشراتهن، أو صبغات شعورهن، أو أطوالهن..؟!

على الأرجح لا!

فمن الطبيعي جدّاً في عالم اليوم، العالم المتشدّق بالإنسانية والمساواة، أن يمارس الناس عنصريتهم البغيضة بأكثر الأشكال "جذباً"، حتى باتت مشاركتنا في هذه العنصرية وترويجنا لها "تحصيل حاصل"!


ولو فكر أحدنا أن يعترض على آخَر يمارس هذا الفعل، لتلقّى طوفاناً من الاتّهامات بأنه "خشبي" و"متحجر" و"متعصّب" وما إلى ذلك من أوصاف تعبّر بالضبط، في هذا السياق، عن مدى الاستلاب العقلي الذي وقع ضحيته هذا الساخر من الاعتراض.

عشرات آلاف الأمثلة على هذه الحقيقة في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. ببساطة ينشر شخص يدعي "الثقافة" و"الإنسانية" صورة امرأة إفريقية بشفتين كبيرتين كـ"نموذج" للبشاعة في معرض السخرية من جمال امرأة أخرى! بالبساطة نفسها ينشر شخص آخر لا يكفّ عن التشدق بـ"المساواة" و"حقوق الإنسان" صورة شاب هندي يلبس أفضل ما عنده، ويزين شعره بأجمل ما يمكنه، ساخراً من هذه "الشبوبية"!

لكن مَثل اليوم يتعلق بتلك الأرملة، زوجة الجندي الأمريكي الذي قتل في غارة أمريكية في اليمن، حيث يرتع زبانية الإرهاب الدولي والعربي، الأمريكي والسعودي والإماراتي وغيرهم، سالبين الشعب اليمني حقه البسيط بأن يكون سيّد نفسه.

تلك الأرملة التي حضرت خطاب "دونالد ترامب" الأول في الكونغرس، "تشردقت" بدموعها حين ذكر رئيس أقوى دولة في العالم اسم زوجها، مشيداً بـ"تضحيته" التي أدّت إلى "الحصول على معلومات ستفيد كثيراً في المستقبل" في مواجهة الإرهاب، حسب زعم "البيت الأسود".

الخبر مثير طبعاً، فهو نادر. لا في الكونغرس ولا في أي "كونغرس" آخر. أي: الخبر يستحق أن يكون خبراً.

لكن، ماذا لو تمعّنت قليلاً في الخبر حيثما نشر؟
ستجد في العنوان وفي النص: "دموع امرأة شقراء"!

حقاً؟ أهي "شقراء"؟ يا للهول!

فقد ثبت علمياً أن "الشقراوات" لا يكنّ أرامل أبداً! ولا يبكين أبداً! وخاصة لا يبكين أمام "الجماهير"!

أليس كذلك؟!

بالتأكيد.
فلو أن الشقراوات يمكن أن يكنّ أرامل، وبالتالي يمكن أن يبكين حتى بحضور الرئيس الأمريكي حين يشيد بأزواجهن، فما قيمة أن تكون تلك الأرملة "شقراء" أو "سمراء"؟! حنطية أو بيضاء؟!

لا قيمة إطلاقاً.

لا قيمة إطلاقاً سوى أن من أورد هذه "الصفة الشخصية" التي لا تحمل أيّة قيمة، هو شخص عنصري تافه بكل تأكيد. عنصري إلى حدّ يجد فيه من الطبيعي جداً أن يستخدم "لون الشعر" على أنه الصفة الرئيسية لامرأة في هذه الحال!

لكن، هل كان وحده العنصري؟
بالتأكيد، مرّة أخرى: لا!

فكل من أعاد نشر الخبر مستخدماً الصفة نفسها، سواء في وسيلة إعلامية أو في وسيلة تواصل اجتماعي، هو أيضاً عنصري تافه! سوى أنه يختلف عن العنصري الأول بأن الأول يعي جيداً ما يفعله، بينما العنصري الثاني يضيف إلى نفسه صفة أخرى: أحمق!

حسناً! الحمق أيضاً صفة بشرية. لكنها صفة غير "موروثة". وبالتالي يمكن لمن يشاء أن يتفكر قليلاً، ويغيّر من حاله قليلاً، ويترك "حمقه" وراءه لينتقل إلى خانة "العاقل"..
إن أراد.

--------
بسام القاضي

2017/3/1

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"