الأحد، 26 مارس، 2017

الفوعة وكفريا: لن نترك أرضنا ولو خذلنا العالم


الطفل في الصورة لا يلهو في إحدى حدائق دمشق، ولا في قرية بريف الصين.. بل هو "عيسى" الذي ولد في الحصار، حصار ميليشيات الإرهاب للفوعة وكفريا الذي مضى عليه ما يقارب العامين، لأب ما زال يتنكّب سلاحه مدافعاً بجسده وروحه عن هذه الأرض.

لكنه طفل "محظوظ"، فقد "شبع" ولعب وضحك، وإن كان شبعاً مؤقتاً، كما حال كل أطفال القريتين الصامدتين، الذين كلما زاد عمرهم يوماً زاد جوعهم، فأولوية الطعام للأطفال.
في الصورة أيضاً "كبل كهرباء" لم يعد له عمل منذ زمن طويل، فتحوّل إلى "حبل غسيل" مفيد.

بالطبع، المدارس مدمّرة، يدرس الأطفال الباقون في خرابة تشبه مدرسة، مياه الشرب هي ما توفّره مياه الأمطار، وما تبقى من آبار مخصصة أصلاً للزراعة، وليس فيها أي نوع من "التعقيم" فانتشرت الأمراض المرتبطة بتلوّث المياه، كالتهابات الأمعاء والتهاب الكبد الإنتاني.


الفوعة وكفريا قريتان صغيرتان في ريف إدلب، صادف أن أهلهما يعتقدان بالإسلام الشيعي، أو كما قال أحد المدافعين عنهما ساخراً: "ماعرفنا أنو اسمنا شيعة لشرّفت هالحرب! قال طلع فرزكم شيعة! قلنا توكلو على الله!". كان هذا كافياً ليحاصرها إرهابيو ثورة الأخونج، ويمطروها بالقذائف ورصاص القنص ليل نهار.

فكيف وقد سبق "مذهب" أهلها "دينهم وديدنهم": سورية وجيشها ودولتها؟!
وبمناسبة "الفرز الطائفي" الذي أبدعت فيه ثورة الأخونج، في الفوعة وكفريا اليوم نحو 26 ألف شخص، لا أحد يذكر أن بينهم أكثر من 5 آلاف فرّوا من "حارم، وسلقين، وكفر تخاريم، وإدلب المدينة، ومعرتمصرين، ورام حمدان، وتفتناز، والطلحية" بسب مواقفهم المؤيدة للدولة والرافضة للإرهابيين. ربما سيخرج أحد رموز الإرهاب الإعلامي، فيصل القاسم، ليقول: هؤلاء بالتأكيد تم "تشييعهم"! ومن ثم يدعو إلى "فرمهم بفرامة اللحمة" كما سبق له أن دعا لفرم مؤيدي الدولة.

أيضاً، 21 سائق باص كانوا في المقايضة يوم إخلاء الإرهابين من حلب، دخلوا الفوعة لنقل مجموعة من المرضى حسب الاتفاق، نقض الإرهابيون الاتفاق، فخرج بعضهم وبقي الآخرون محاصرين مع أهل الفوعة، بعيداً عن أهلهم وأسرهم! ولم تسأل الأمم المتحدة ولا غيرها عن مصير هؤلاء الذين كان ذنبهم أنهم "أمروا" بقيادة الباصات!

في مقطع فيديو تضمّن لقاء مع أم من الصامدات، تشرح ما آل إليه الوضع، سترى في الخلفية طفلة مراهقة تحكّ ظهرها بالجدار بطريقة غريبة! قد يتهيّأ لك أنه "الجرب" أو مرض جلدي آخر، لكنه ليس كذلك، بل واحد من الأمراض العصبية التي أصابت عدداً كبيراً من أطفال الفوعة وكفريا الصابرتين الصامدتين، نتيجة الرعب الذي يعيشونه منذ سنوات في حصار غاشم مطبق من قبل ميليشيات الإرهاب الإسلامي.

طبيب من البلدة يشرح: "التبوّل اللا إرادي عند الاطفال نتيجة المشاهد الوحشية للدمار والأشلاء عند سقوط القذائف.. رأس مرفوعة إلى الأعلى دائماً عند السير بمساحات مكشوفة، مع الجري تحسباً لتساقط قذائف للوصول إلى أقرب جدار.. اختلاجات وتشنّجات عصبية وعضلية مع استيقاظ مفاجئ مترافق مع صراخ أو بكاء أثناء النوم في الليل نتيجة صور ومشاهدات مترسّخة ومطبوعة في الذاكرة من مشاهدات حسّية"..

ويتابع : "الأمراض السيكوسوباتية، وهي الأمراض الجسدية ذات المنشأ النفسي، وهي ارتفاع التوتر الشرياني، أي ضغط الدم، السكري، ربو الشعب الهوائية، الصدفية الجلدية، الجلطات القلبية والدماغية، انخفاض المناعة الطبيعية ومقاومة الأمراض.. هذه الأمراض انتشرت عند شرائح عمرية أصغر بكثير من المتوسط العمري العالمي لهذه الامراض، يافعين بعمر 10 و15 عام.. ارتفاع ضغط، وسكري، وربو شعب رئوية بأعداد اكبر بكثير من المعتاد"..

لا ينسى هذا الطبيب، كما جميع من تحدّثت معهم نساء ورجالاً، أن ينبهني ويشدد على تنبيهه: لا تكتب ما يبدو منه أننا "نشحذ"! نحن لسا شحاذين. نحن أصحاب حق بهذه الأرض وندافع عن وطننا كله، لذلك نشرح ما نحن فيه ليعرف الجميع أننا نطالب بحقنا أن نحصل على مقومات صمودنا. حقنا، لا منّة من أحد.

مضى على الحصار المطبق على القريتين أكثر من 700 يوم! أي منذ تمكّن إرهابيو جيش الفتح وأحرار الشام من احتلال إدلب! لم يمرّ يوم واحد فيها دون قذائف الهاون ورصاص القنص! فقد دفعت هاتان القريتان أكثر من 3500 شهيد وشهيدة حتى اليوم، يقدّر أحد أبناء البلدة أن أكثر من 80% منهم أطفال ونساء وشيوخ كبار في السن، أما الجرحى فقد تجاوز عددهم 5500 جريح، نحو نصفهم صاروا معاقين إعاقة كاملة.

لم يعد في القريتين مشفى ولا مستوصف ولا حتى "عيادة ميدانية"! وبالطبع ليس هناك أدوية عموماً، فكيف بأدوية صالحة للجراحة؟! لا أشعة ولا مخبر! وأيضاً: لا كهرباء ولا محروقات!
حتى الأرض الزراعية لم تعد تقدّم لهم شيئاً، فمن الطرف الجنوبي تقع الأرض الزراعية على بعد عشرات الأمتار فقط من "خطوط التماس" مع الإرهابيين، وهم يرصدونها بقناصات حرارية، قدمتها لهم السعودية وتركيا وأمريكا وفرنسا، قناصات لا توفر حتى الأطفال والشيوخ والنساء، أما من الطرف الشرقي فهناك حزام صغير من الأراضي الزراعية، بإجمالي نحو 6 كم، لكنها أيضاً مرصودة بالقناصة بدرجة خطورة عالية جداً، كذلك باقي الجهات التي يحاصرها ثوار ثورة الأخونج.

فما الذي بقي إذاً في هاتين القريتين صالحاً للعيش؟!

لنعرف أولاً أن أبطال القريتين ليسوا صامدين في الدفاع عنهما فحسب، بل حتى اليوم هم متقدمون في "أراضي العدو" حسب أحد الفدائيين الأبطال، حتى 5 كم على محور الصاغية! بل إن طريق بنش باب الهوى مقطوع بصمودهم حتى اللحظة، ولو فتح هذا الطريق لكان شريان حياة للإرهابيين في إدلب، حاول الإرهابيون إغراء الأبطال بشتى السبل ليتركوا هذا الطريق، لكنهم رفضوا بإصرار.

فآلاف المقاتلين في القريتين قرروا أن لا يتخلوا عن ذرة من ترابهم، أحدهم قال: "لو انسحب الجيش من إدلب باتجاهنا، لاستطعنا أن نحررها من جديد، لكن للأسف لم يحدث ذلك".
والآن، كل ما بقي هو قليل من البرغل الذي ترميه الطائرات بين فترة وأخرى، دون الإشارة إلى نوعيته! فالنوعية رفاهية لا يملك أهالي القريتين إمكانية التفكير بها!

"قليلاً" لا تدلّ بشكل دقيق على الواقع، ففي إحدى الغارات "البرغلية" مؤخراً حصل الشخص على ثروة: 600 غرام بالتمام والكمال من البرغل! ربما عليك أن تتذكر حكايات من التاريخ عن "طبخ الحجارة"! ربما عليك أن تكون واثقاً أيضاً أن هذا لم يعد من "التاريخ"، بل من حاضر الفوعة وكفريا!

في مرة سابقة حصل الشخص على 485 غرام من الأرز، لاحظ الأرقام الدقيقة! ليس لدى المحاصرين فرصة لطبش الميزان حتى بغرام واحد، فقد يعني هذا "الغرام" الفرق بين الحياة والموت!
بالطبع، لا أحد يعرف حتى متى يجب أن تكفي هذه الـ"غرامات" القليلة! فربما لن تسقط السماء غيرها حتى مرور أسبوع آخر، أو شهر، أو أكثر!

قد تجد بعض المواد الأخرى، لكن هل ستجد "المال" لدفع ثمن كيلو غرام من الطحين، أي 7000 ليرة سورية؟ أو 40 ألف (بالضبط: أربعون ألف) ليرة لكيلو اللحمة؟!
جميع الذين كانوا موظفين لدى الحكومة قبل الحصار لا يتلقون رواتبهم، إلا من تمكن منهم من توقيع "وكالة" باسم أحد ما خارج القريتين، بل إن أكثرهم اعتبرتهم الحكومة بحكم "الموقوفين عن العمل" حسب ما أكد أحد أبناء البلدتين، مضيفاً: "المسلحين في المحافظة لم يوقفوا عن العمل ويتقاضون رواتبهم بشكل منتظم دون أي مساءلة"!

"المسؤولون عن ملفات البلدتين منشغلون بالسياحة السياسية" يقول أحدهم، ويتابع: "منهم من هو منشغل بسرقة قوتنا، والمشرفون على الإمداد يرسلون لنا فتات الطعام وعفانته.. فلا لحوم ولا خضار ولا علاج ولا.. البرد ينخر عظامنا.. ولا حياة لمن تنادي"!

وبقهر يتساءل: "لقد أخرجت الدولة مجرمي حلب وعائلاتهم بالكامل، وسوّت أوضاع كل من أراد العودة إلى الحياة المدنية من القتلة والمجرمين! فهل ذنبنا أننا أوفياء للوطن لندفع كل هذه الضرائب من المصائب؟".
يهمس شاب بأنه تم تشكيل وفد من أهالي الفوعة للتفاوض مع الإرهابيين.. تساءلت: لكن حول ماذا سيتفاوضون؟ أجاب بسخرية: "لوضع أسعار المبادلات التجارية: حطب مقابل ماء، حبوب مسكنة مقابل بقوليات، طحين مقابل خواتم فضة وذهب"، ويختم:

حمار مقابل جرار زراعي فقد اختفى الغذاء لكليهما"!

النتيجة بسيطة: الجوع يكاد يقتل الناس الذين يكتفون بوجبة واحدة في اليوم، وجبة فقيرة غذائية إلى حدّ سوء التغذية التام، لا فرق أن تكون رضيعاً أو شيخاً، مريضاً أو صحيحاً، جريحاً أو معاقاً، فالطعام هو حدّ البقاء على قيد الحياة، ليس إلا!

ألا تبدو هذه مبالغة حين تتذكر قوافل "الهلال الأحمر" التي دخلت الفوعة وكفريا مقابل دخول شاحنات مقابلة إلى مضايا؟! ربما إذا عليك أن تعرف: دخلت الشاحنات كاملة بلا أي نقصان إلى مضايا. بينما لم يصل حتى نصفها إلى كفريا والفوعة، فالإرهابيون سرقوها قبل أن تصل، وخربوا كثيراً من النصف الباقي.

لكن هناك وجهاً آخر للواقع، وجهاً يقول أنه حتى في مثل هذا الحصار الخانق هناك "مدعومون" وجدوا الطريق ليتاجروا بالأزمة، فيهرّبون ما يمكنهم من المساعدات لكي يقوموا ببيعها لاحقاً بأسعار فاحشة!
يضحك أحد الشباب المقاتلين: "نحن أيضاً لدينا فسادنا الخاص" ويضيف ساخراً "هي صار فيك تنتفنا متل ما بنتف النظام"!

لكن ربما يكون الأمر قد تغير، فآخر "نقلية" وصلت إلى أيام قليلة سالمة إلى الداخل، لم ينهبها لصوص الثورة، ووصلت سالمة إلى الناس أيضاً، لم ينهبها أولئك "المدعومون"، فقد تشكلت لجنة حزمت أمرها وأوقفت هذا "العدوان".
ثم، ألا تلقي الحكومة السورية وحلفاؤها بالمساعدات الغذائية من الجو؟! بالطبع، لكن ما تلقيه هو أقل بكثير مما يحتاجه الناس بالحد الأدنى، ربما حسناً أن تتذكر هنا أيضاً أن "حارم" التي صمدت أسطورياً في وقتها، سقطت تحديداً لهذا السبب: الفشل بإمداد أهلها وحاميتها بالسلاح والذخيرة والطعام والدواء.

في ذلك الوقت، روّجت "الجهات المعنية" إشاعات عن "الطقس غير الملائم" لإلقاء مظلات الدعم، و"صغر المساحة" التي أدّت إلى ذهاب بعض المظلات لأيدي الإرهابين، مرّت حالات كثيرة على "الطقس" في كفريا والفوعة، فصول شتاء وصيف وخريف وربيع، سنوات.. وما زال الأمر نفسه!

قد لا يحزّ في نفس أهالي هاتين البلدتين أمر قدر ما يحز هذا الأمر: لماذا تخلّوا عنا؟! فمهما ناورت في حديثك معهم سيأتيك التساؤل مراراً في كل سياق: لماذا تخلوا عنا؟!
أحد المقاتلين الأشداء في الفوعة يقول: "طيب، ما بدهن يانا، مو مشكلة.. عم ندافع عن أرضنا مو كرمال حدا. بس كمان ما بدهن العساكر اللي التجأت إلينا وقت سقوط إدلب وبينهم ضباط؟!". أسأله: ألا يشاركونكم هؤلاء الدفاع عن القريتين، يجيب بثقة: "هم أردوا المشاركة، لكننا لم نسمح لهم. إنهم ضيوفنا وسيبقون ضيوفنا حتى النهاية".

لكن، لماذا تركوا وحيدين؟!
لماذا لا يتم إغراق البلدتين بمظلات المساعدات حتى إن سقط بعضها بأيدي الإرهابيين (ولن تشكل أي دعم للإرهابيين فما لديهم أكثر بكثير من "حاجتهم")؟! لماذا لم توضع أي خطة لفك الحصار عن البلدتين أصلاً، والجيش قريب منهم (على مسافة 25 كم فقط من إحدى الجهات)؟!

لا أحد يعرف!

أحد المدافعين عن الفوعة يقول: كلما انتهى الجيش من تحرير منطقة، نتنفس الصعداء متأملين أن "دورنا" قد حان، فإذا بالخطة تقضي إقصاءنا من "البرنامج"؟! يتساءل بقلق: هل تدمر أهمّ فعلاً من الفوعة وكفريا؟!

قائد ميداني في إحدى تشكيلات القوات الحليفة يقول: "للأسف يبدو أن حكومتنا غير مهتمة الآن بكفريا والفوعا، ولا أحد يعرف السبب بالضبط، لكن من المعروف أن للحلفاء دوراً في أي قرار متعلق بهاتين القريتين"، ويتابع: "العام الماضي قام الجيش وحلفاؤه بحملة وصلت إلى الحاضر والعيس، لكن الحملة تراجعت إلى الراشدين والراموسة تحت ضغط هجوم النصرة الإرهابية المعاكس، قبل أن يبدأ سقوط حلب، كانت الحملة تحتاج إلى دعم أكبر بكثير مما تم تأمينه".

القائد الميداني يضيف: "فك الحصار عن الفوعة وكفريا يحتاج إمكانيات عسكرية كبيرة، سواء بالعتاد أو بالمقاتلين، خاصة أن المسافة بين خطوط الجيش على أطراف حلب وبين كفريا -نحو 25 كم- مكتظة بآلاف الإرهابيين الذين لم يعرف العالم مثيلاً لوحشيتهم".

"في هذه الحرب توجد استراتجيات لأفضل استخدام ممكن للقوات"، يشرح القائد الميداني، "في الواقع أن إفشال مخطط تركيا في الشمال السوري، وأيضاً المخطط الانفصالي الكردي، لها أولوية لخطورتهما، والجيش وحلفاؤه غير قادرين على خوض كل هذه الجبهات معاً".

ضابط عامل في الجيش السوري يعلق قائلاً: "أيا يكن الدعم فهو قليل مقارنة بصمود أهالي البلدتين"، ويتابع: "للأسف أن المحيط حول القريتين مغلق بالإرهابيين بشكل تام، لذلك قد لا يكون الدعم كافياً لصمودهما، قد يكون الحل الأفضل إنسانياً هو العمل على إجلاء سكانهما، ريثما يتمكّن الجيش من تحرير إدلب كاملة".

ضابط آخر يقول بوضوح: "نحن لا نعرف كيف تخطط القيادة العليا بخصوص التحركات العسكرية لهذه المنطقة أو تلك، وهذا طبيعي، فالحرب على مستوى البلد كله ليست في جبهة محدودة"، لذلك لا يعرف هو لماذا بقي فك الحصار عن القريتين بعيداً عن جدول الأعمال، لكنه يعبر عن ثقته بأن "دورها آتٍ"!

جندي شارك في معارك عدّة يؤكّد: "إن أتتنا الأوامر بفك الحصار عن البلدتين، فسنفكّه كالأسود، أنت لا عرف كم لصمود هاتين البلدتين من أثر في عقولنا وقلوبنا جميعا".
ناشط في الإعلام الميداني يقول ضاحكاً: "إبقاء الفوعة وكفريا في هذا الوضع مقصود، السلطات تريد الضغط على بعض حلفائها بهذه المأساة الإنسانية".

فما رأي أهالي القريتين الصامدين كجياد أصيلة؟

"نريد إخراج الأطفال والنساء ما دام أحد غير قادر على مساعدتهم بلقمة الطعام، أما نحن الرجال، فسندافع عن أرضنا حتى آخر رمق". يقول مقاتل من ميدان الدفاع عن الفوعة وكفريا. آخر يطلب بوضوح "فك الحصار بصفته واجباً على الدولة تجاه مواطنيها الشرفاء"، كما أن واجبها "تأمين المستلزمات الضرورية لاستمرار الحياة في البلدتين السوريتين بأي وسيلة كانت". يؤكد قائلاً: "هذا واجب الدولة وليس منّة منها".

إحدى النساء اللواتي خرجن في أول دفعة "تبادل" (مع مضايا)، فيما بقي زوجها وأهلها في الفوعة، تصرخ: "لماذا ظلمتمونا كثيراً؟ حتى المنظمات الدولية تخلت عنا؟ أين هي اليونيسيف من مأساة أطفالنا؟".
امرأة أخرى تقول بهدوء مقهور: "ما الفائدة؟ لا أحد يريد أن يسمع بحالنا! لا أحد يريد أن يصدق ما نحن فيه!".

إخلاء البلدتين! هذا يعني أن تصير محافظة إدلب بالكامل تحت سيطرة الإرهابيين، فلم يبقَ فيها سوى هاتين البلدتين خارجتان عن سيطرة ثورة الإخونج، بعض السكان يقولون: لا بأس، لنخرج الآن ونعود حين تعود إدلب "خضراء" كما كانت، بعضهم الآخر يرفض مكتفياً بإجلاء الجرحى والمرضى، لكنهم جميعاً يخشون، إن خرجوا، أن يلاقوا مصير النازحين: العيش بذل!

مع كل هذه الوقائع، لا بد أن يخطر السؤال على البال: لماذا لم تتحرك السلطات السورية بشأن هاتين البلدتين؟ بل حتى إعلامياً بالكاد تتم الإشارة إليهما! والدبلوماسية السورية تذكرهما أحيانا، لكن كـ"مثالين" لا غير! رغم أن كل عناصر "حملة عالمية" مستندة إلى الاعتبارات الإنسانية صالحة في تفاصيل حياتهما.

أحد الشباب يقول: "السبب هو الاتفاقيات السرية بين روسيا وتركيا"، فهذه الاتفاقيات برأيه تمنع دعم القريتين بإسقاط مواد غذائية وصحية، فكيف بعتاد وذخيرة؟! تهرّب الكثيرون من الإجابة عن سؤالي إن كانوا يظنون بأن الحكومة لا تدعمهم لأنها تريد صفقة مع إرهابيي إدلب يخرج بمقتضاها أهالي القريتين من أراضيهم، بعد أن يكونوا قد استنفذوا نهائياً ولم يعد بإمكانهم رفض هذه الصفقة!

كتب أحدهم ضمن "غروب" مغلق على وسائل التواصل الاجتماعي: "الجيش السوري يتقدم نحو بحيرة الأسد.. بعد كل معركه نقول إدلب الوجهة التالية.. اللعبة أصبحت مكشوفة.. كفريا والفوعة المحاصرتين ورقة رابحة جدٱ"! دون أن يشرح ما يقصده بـ"الورقة الرابحة".

لكن أحدهم قال فكرة ملفتة: "لا أظن أن السبب هو صفقة. أظن أنهم (الحكومة) يريدون استمرار معاناتنا لأنها تفيدهم بتصويرهم على أنهم (حماة الأقليات) بما أننا مصنفين على الشيعة"!
رفض جميع من تحدثت إليهم الخوض في أي جانب يتعلق بالسلاح أو الميدان، أصروا على أن هذه أمور سرية ليست للنقاش، لكن العديد منهم أكدوا بجمل متشابهة: "لا تقلق.. لدينا ما يكفي لصمودنا حتى آخر رمق"!

أسأل على الهامش إن حملت النساء السلاح ليشاركن رجالهن الدفاع عن القريتين، يجيب أحد الشباب مبتسماً مع "سمايلي" بعضلات: "لا، مستحيل مادام لدينا شباب".. ويتابع ساخراً بضحكة لم تفارق كل من تحدثت معهم ومعهن من البلدتين، رغم الألم: "عايفينن احتياط"!

هل ينتظر أهالي البلدتين المحاصرتين شيئاً من السوريين العاديين؟ أي ممن ليسوا أصحاب قرارات في أي شأن لا سياسي ولا عسكري ولا غيره؟
يفضح "بوست" ساخر ما ينتظره هؤلاء: "خبر عاجل: في اجتماع عاجل لكافة علمائنا الأفاضل، قرروا أن يكون هناك اعتصام مفتوح في كل من دمشق وريفها وحمص واللاذقية وحلب، مطالبين المسؤولين عن ملفّ الفوعة وكفريا بإسقاط الخبز ومواد الإغاثة لهم بالسرعة الفائقة... وبشرط رئيس هو: بعد أن يستشهد جميع أهلنا في المدينتين.. وذلك لسهولة العمل لديهم والربح الكبير الذي سيتقاضونه من إقامة مجالس العزاء..."!

"فقد قِفوا إلى جانبنا، ارفعوا الصوت حول معاناتنا"، هو كل ما يطلبه الأبطال المحاصرون في الفوعة وكفريا من السوريين، لكن نبرتهم تشي بأن الطلب هو "رفع عتب"، فبعد عامين ونصف من الحصار فقدوا الثقة بأن أحداً يهتم بحالهم.

عشرات الفيديوهات نشرت على الإنترنت عن حصار الفوعة وكفريا، آلاف الصور لشهداء أطفال ونساء وشيوخ وشباب، وحملة الكترونية بعنوان "أنقذوا الفوعة وكفريا"، كلها لم تحرك ساكناً في ضمير "الأمم المتحدة" مدعية الإنسانية، لكنها أيضاً لم تحرك عجلة دعم القريتين من قبل الحكومة السورية!

القصص التي عاشها أبطال الفوعة وكفريا، من رضيعهم إلى عجوزهم، تحتاج إلى مجلدات لسردها، بعضها مثير للسخرية، كما حين قامت إحدى "اللجان" المعنية بالإغاثة بإرسال "جواكيت ملونة" تصوروا بها وهم يبتسمون.. علق أحدهم على الصورة :"لجنة... ارتأت أن هذه الجواكيت أنسب مايرسل إلى المجاهدين في الفوعه وكفريا والمحاصرين هناك، لاسيما أن كل تحركّهم (اللجنة) بالسيارات! ولايوجد عندهم برد، لأن الغاز والمازوت والكهرباء متوفره"!

بعضها مترع بالأمل والغضب، كحال مئات الأزواج والعشاق الذين فرقهم الحصار، سواء من كان منهم قبل الحصار خارج القريتين، أو النساء اللواتي خرجن مقهورات في التبادل مع مضايا! فحفروا حبهم بالدموع والرصاص،

وجميعها تحزّ أوتار قلوب من بقي فيه بعض من إحساس!
الفوعة وكفريا ليست قصة قريتين محاصرتين في بحر من الإرهابيين الذين يدعمهم صهاينة الإسلام (الأخونجية وشركاؤهم) وصهاينة اليهودية فحسب، بل يدعمهم أيضاً متشدقو "الإنسانية والحضارة" حكام باريس ولندن وبرلين وواشنطن، وبالتأكيد حكام أنقرة والرياض والدوحة.

قصة آلاف من الناس كان بإمكانهم أن "يستسلموا" من اليوم الأول، كما فعل كثيرون غيرهم في مناطق أخرى، لكن كرامتهم ووطنيتهم منعتهم من الانحدار إلى هذا الدرك، ففوجئوا بأن دولتهم التي يؤمنون بها "ترميهم" على الرفّ أيضاً!

قصة أبطال لا ينامون الليل ولا النهار كي يحموا أهاليهم، لكنهم ما زالوا واثقين أن جيشهم لن يخذلهم، وأنه سيأتي اليوم الذي تتشابك الأيادي معاً لتعلن النصر.


---------
ملاحظات:
*- لم يتم التلاعب بأي من أقوال من التقاهم هذا التقرير، إلا ما يقتضيه الاختصار أو التكثيف أو تجنب التكرار، وفي الوقت نفسه حرصنا على أن تبقى آراء الناس كما هي، سواء اتفقنا معها في "وكالة أنباء آسيا" أم اختلفنا، حرصاً على الأمانة والمصداقية التي وعدنا بها الناس.
**- أثناء إعداد هذه المادة، خرجت من كفريا حالتان مرضيتان مع أولادهما. ودخلت شاحنة معونات يشرف عليها الهلال الأحمر السوري،
***- أخفيت أسماء جميع الذين التقيناهم في هذا التقرير، أخذاً في الحسبان عدم التسبب بأي ضرر لأي منهم، خاصة في الظروف التي تعيشها سورية اليوم.
-------

بسام القاضي

نشر في "وكالة أنباء آسيا"، على حلقتين في 18 و19 آذار الجاري