الأربعاء، 22 مارس، 2017

هدية الجيش السوري إلى روح فرج فودة: حكمت المحكمة

صار الخبر نفسه "قديماً" في عصر السرعة "الرقمية"، فالإرهابي "أبو العلا عبد ربه" قتل منذ ساعات، وآلاف المواقع الالكترونية قامت بنقل الخبر مرفقاً باللازمة: قاتل فرج فودة!
أخبار كثيرة أكدت أن الجيش العربي السوري قتل الإرهابي الذي كان قائداً في ميليشيا "النصرة"، في المعارك التي يتصدى خلالها الجيش للمرتزقة، وهم يهجمون على قرى آمنة في ريف حماة الشمالي.

لكن ذلك لم يعجب البعض، خاصة أولئك الذين يعادون الجيش السوري، فأطلقوا حملة ترويج أن المخابرات الأمريكية هي من قتلته.
ابنة فرج فودة، سمر، كتبت على صفحتها الفيسبوكية: "إن الله يمهل ولا يهمل"، شاكرة من قتل المجرم أيا كان: "أقول لمن قتله: تسلم إيديكن".


الإرهابي "أبو العلا" ليس قاتل المفكر العربي الحرّ فرج فودة (1992) فحسب، فهو إرهابي قبل جريمته تلك، وإرهابي بعدها، والحكم الذي تلقّاه من محكمة مصرية (55 عاماً) لم يكن بناء على جريمة قتل فودة فقط، بل أيضاً على دوره في تفجير أتوبيس سياحي، وأحداث إمبابة، وأعمال إرهابية أخرى.

إثر إطلاق سراحه من قبل الأخونجي المخلوع محمد مرسي، أجرت صحيفة "الوفد" المصرية لقاء معه، أكّد فيه أن القتل كان هدفه منذ البداية: "تركت جماعة التبيلغ والدعوة بعد فترة قصيرة لاقتصارها على الجانب الدعوي". قال أبو العلا! فالدعوة والتبليغ لا ترضيان توقه إلى الدم! قال لنفسه ربما يكفيه إرهاب الأخوان المسلمين، فانضم إليهم، لكنه بسرعة تركهم أيضاً لينضم إلى "الجماعة الإسلامية" الإرهابية التي روّعت مصر خلال تسعينيات القرن الماضي، وكان شريكاً في إعلان "جمهورية إمبابة الإسلامية" في ذلك الوقت.

وكما كل الإرهابيين "المحنّكين"، ادّعى أبو العلا أنه "تاب" عن العنف، بل قال حرفياً "أنا أتعبد بوقف العنف" ومن ثم وصف "الفكر التكفيري" بأنه فكر ضالّ، وأصحابه أهل بدعة"!.
فقد استلم الأخونجية السلطة في مصر، وبدأت جميع قوى الإسلام السياسي تتحدث عن رفض العنف كتمهيد لمنع أي بادرة احتجاج ضدّ حكمهم الذي بدأ فوراً في تدمير المجتمع المصري وأخونته.

وأثبت صدقية "تعبّده" ذاك بأن انتقل بعد سقوط مرسي إلى سورية (مروراً بالمملكة الوهابية وتركيا الأخونجية)، لينضمّ إلى فرع القاعدة في سورية "النصرة"، ويمارس قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرجال بسكينه!

الشيخ "ربيع شلبي"، القيادي الذي انشق عن الجماعة الإسلامية، أعلن في أواخر 2015 أن "أبو العلا" فرّ إلى السودان، وليس إلى المملكة الوهابية، وأنه انتقل من هناك إلى سورية عبر السعودية وتركيا ترييب مسبق، لتدريب الإرهابيين الجدد على القيام بعمليات إرهابية ضد الدولة السورية.

"ربيع" أكّد أن "أبو العلا" انضم إلى داعش عند وصوله إلى سورية، التي وصلها برفقة إرهابي مصري آخر هو أمير الجماعة الإسلامية في السويس، والمحكموم بالإعدام: "أبو محمد غريب" وأشار ربيع إلى محاولة "أبو العلا" العودة إلى السودان "لقيادة الحركات المسلحة وتشكيل جماعة جديدة للحرب على الدولة".

بعد ذلك بعام تقريباً، في 2016، ظهر الإرهابي "عبد ربه" بشكل مؤكّد في ميليشيا النصرة في حلب السورية قبل أن يحررها الجيش السوري، ونقلت مصادر عنه دعوته كل من يحمل أفكاره نفسها، وعلى رأسهم المتواجدون داخل مصر، بتجهيز عمليات لضرب "كل المخالفين.. بمن فيهم المسيحيين".

فكيف اغتال فرج فودة؟
خطط "أبو العلا عبد ربه" مع آخرين للعملية بعقله الإجرامي البارد، ونفذها كل من "عبدالشافي رمضان، وأشرف صالح" تأكدوا من جاهزية الأسلحة التي يحملونها، وانتظر الثلاثة أمام مكتب المفكر فرج فودة في "الجمعية المصرية للتنوير" التي أسسها، ومقرّها في مدينة "نصر" لأكثر من ثماني ساعات، وما إن خرج من المكتب حتى بادروه بالرصاص الإجرامي.

لكن "أبو العلا" لم يكن يترجم الهوس المرضي لأمراء مجرمين، كزعيم الجماعة الإسلامية "عمر عبد الرحمن" فقط، بل كان ينفذ أيضاً ما تؤدي إليها أفكار جهات توصف بـ"المعتدلة" كالأزهر مثلاً، فقد شنّ الأزهر حملة شعواء ضد المفكر فودة، وطالب لجنة شؤون الأحزاب بعدم الترخيص لحزبه (حزب المستقبل)، ومن ثم أصدرت "جريدة النور" الناطقة باسم "جبهة علماء الأزهر" بياناً شهيراً، نصّ صراحة على تكفير المفكّر.

و"مأمون الهضيبي" المسمى وقتها "مرشداً" عاماً لتنظيم "الأخوان المسلمون" الإرهابية رحب علناً باغتيال فودة على هواء صوت الكويت، وفي جريدة الأخبار! أما الدكتور عبد الغفار عزيز، رئيس ندوة علماء الأزهر، فألف كتاباً أسماه "من قتل فرج فودة" شكل مرافعة دفاعاً عن المجرمين، واتهم فودة بأنه قتل نفسه بنفسه لأنه استخدم عقله وفضح دجل الإسلام السياسي وتزويره التاريخ.

الشيخ محمد الغزالي، الزعيم الأزهري، شهد في المحكمة دفاعاً عن القتلة أيضاً، وقال حرفياً: "ما قاله وفعله (فودة) كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم"

من هو فرج فودة؟
برز فرج فودة (20 آب 1945- 8 تموز 1992) بصفته مفكراً علمانياً، دعا بوضوح إلى فصل الدين عن الدولة والسياسة، ورفض فكرة فصل الدين عن المجتمع التي طالب بها بعض المثقفين.

بدأ مشواره مع آثار هزيمة 1967 أمام الصهاينة، فمع الانتكاسة المجتمعية المناهضة للحضارة والعصرية، وقف فودة مع القول بأن المعرفة والعلم والعقل والحضارة هي التي تستطيع هزيمة الصهاينة، لا الانتكاس إلى الماضي ومواجهة اليهودية السياسية (الصهيونية) بالإسلام السياسي (الجماعات الإسلامية باختلاف مسمياتها).

حصل على ماجستير في الاقتصاد الزراعي (جامعة عين شمس، 1975)، ثم عمل مدرساً بجامعة بغداد، وخبيراً اقتصادياً في بض الشركات العالمية، ثم أسس "مجموعة فودا الاستشارية" المتخصصة بدراسات تقييم المشروعات.

انتقد فودة بشدة سياسات جمال عبد الناصر، خاصة في مجال التعذيب في السجون، لكنه رفض أن يكون هذا "مبرراً" لعنف الإسلام السياسي، واتفق مع بعض سياسات أنور السادات "الانفتاحية" وحمله مسؤولية "خلق" التيارات الدينية لمواجهة الناصرييين واليسار، وشارك في تأسيس حزب "الوفد الجديد" ثم تركه لتحالف الحزب مع الأخوان.

أمر الأزهر بمصادرة كتابه "نكون أو لا نكون" لأنه تضمن نقد شيخ الأزهر وقتها "جاد الحق علي جاد الحق" الذي كان قد اتهم المدافعين عن "الدولة المدنية" بأنهم "خارجون عن الإسلام".

أعتقد فودة أن التضليل هو البيئة المثلى لانتشار الإرهاب، وانتقد بشدة "الفهم السطحي للدين"، واعتبر الهجرة العشوائية غير المخططة للملايين من الريف إلى المدينة ستحمل هذا "الدين السطحي" إلى المدينة، وتهدد بـ"ترييف المدينة"، وبالتالي توسيع الأرض الخصبة للتطرف والإرهاب الديني.

فضح فودة أيضاً الكثير من التضليل بخصوص التاريخ الحقيقي للإسلام، مستنداً إلى أمهات المصادر الإسلامية التي لم يشكك بصدقيتها أحد، لكنها (المصادر) تضمنت تلك المعلومات المتناثرة، وغير المترابطة، فقام هو بربطها لتظهر وجهاً آخر للحقيقة، منها أن "أبو بكر الصديق" قاتل الممتنعين عن دفع الزكاة لبيت المال، الذين قرروا دفعها للمحتاجين مباشرة، وأن يزيد بن معاوية قتل الحسين بن علي، واستباح المدينة المنورة لثلاثة أيام، قتل فيها 4500 من الصحابة وأبنائهم، واغتصبت 1000 بكر من بناتهم.

والكثير من الوقائع التي وضعها معاً، جنبا إلى جنب، لتظهر حقيقة أن الخلافة كانت "عربية قرشية" بالمعنى البسيط والدقيق للكلمة، ولم تحمل من الإسلام إلا اسمه.

وخلص إلى أن الإسلام هو "دين" لا "دولة".
رفض فودة قاعدة "لا اجتهاد في وجود النص" التي يقدسها أغلب رجال الدين المسلمين، مستشهداً بالعديد من وقائع التاريخ، خاصة سيرة عمر ابن الخطاب الذي خالف عدداً من النصوص باجتهاداته التي لم يرفضها ولم يحتج عليها أحد، لا في وقتها ولا لاحقاً.

ربط فودة الدولة المدنية بأربعة أسس لا غنى عن أحدها، لتتمكن من مواجهة "المنهج المتكامل" للأصولية الإسلامية، وهي العلمانية والمواطنة والالتزام بميثاق حقوق الإنسان وتحقيق العدل من خلال تطبيق القانون.
من كتب فرج فودة: "قبل السقوط" و"الحقيقة الغائبة" (1984)، و"الطائفية إلى أين؟" (1985) و"حوار حول العلمانية" 1987).

بهذه اللمحة السريعة عن حياة قصيرة لكنها بالغة الغنى والثراء، يبدو بوضوح أي خطر شكله قلم هذا المفكر الحرّ على الإسلام السياسي بكل أسمائه وتوصيفاته، الذي يزعم الاعتدال والوسطية والذي يجهر بالتشدد والتطرف.

ورغم أن اغتياله لم يتمكن من دفن هذا الفكر، لكن سياق التطورات التي أعقبته، خاصة خلال ما يسمى "الربيع العربي" هي التي تمكنت من أن تثبت بشكل دامغ صحة رؤيته حول الإسلام السياسي، وحتمية استخدامه الإرهاب ما دام مصراً على الإمساك بالدولة وتطويعها لخدمته.

بسام القاضي
2017/3/22