السبت، 1 أبريل، 2017

"المسؤولية الإجتماعية" في سورية: إبداع ينقصه التنظيم

خلال السنوات الست الماضية من عمر الحرب، طفت على السطح أسماء كثيرة لجهات تعمل في مجال "المسؤولية الإجتماعية" للسوريين بعضهم تجاه بعض في ظروف قاسية هي طارئة بالتأكيد مهما طالت.

بعض هذه الأسماء تلقت الكثير من النقد والتشهير من قبل أشخاص اتهموها بأنها "وسيلة" للظهور وتحصيل مكاسب، سواء مكاسب مالية أو "وجاهية" أو حتى "منصب" ما، لكن بعضها الآخر تلقى الكثير والكثير من المديح.

خلف هذا "الظاهر"، امتلأت كل زاوية في سورية بالمبادرين والمبادرات، بعضهم يعمل بشكل فردي، بعضهم الآخر على شكل مجموعات صغيرة، وبعضهم الثالث انتظم ضمن أشكال تنظيمية تلائم أهدافهم.

بعضهم كان قد بدأ بتحمل مسؤوليته هذه قبل الحرب بزمن، وبعضهم بدأ مع الحرب أو بعيد اندلاعها تحت وطأة الآثار المدمرة التي رتبتها على حياة الشعب السوري.

في هذا التقرير نحاول إضاءة بعض هذه المبادرات، إضاءة لا تهدف إلى تلميع ولا إلى تعتيم. بل فقط إلى إظهار بعضا من واقع مشرق في ظل حرب مدمِّرة.

دير الزور: الإنهيار
كان الناس في دير الزور يشدون بعضهم أزر بعض قبل أن يطبق الحصار على الأحياء المناهضة لداعش الإرهابي، فتقل المواد شيئا فشيئا حتى تكاد تتلاشى، وما تبقى منها بأثمان خيالية.

"صار من لديه لقمة ضنين جدا جدا بها، يقترها حتى على أطفاله، فكيف سيساعد غيره"، يقول الصحفي فراس القاضي الذي عاش الأشهر الثمانية الأولى من الحصار، قبل أن يتمكن من الوصول إلى دمشق، مؤكدا أن أطفالا ماتوا من الجوع في تلك الأحياء وإن كان الإعلام لم يذكر هذا.

"يتساعد الناس فيما يحتاج إلى عمل، تكسير حطب، نقل أحجار.. لكن في الطعام والدواء بشكل خاص: هذا صعب موضوعيا".

فراس يقول أن بعض المغتربين مازالوا يساهمون أحيانا بإرسال ما يمكنهم من أموال يصعب جدا إعادة تحويلها إلى داخل الأحياء المحاصرة. لكنها "تسند جرة".

طرطوس: الإغتراب الفعّال

سام (إسم مستعار)، ابن طرطوس الساحلية، مغترب في إحدى دول الخليج، عمله جيد نسبيا، يمكن وصفه بـ"متوسط" بمقاييس عمل المغتربين هناك، كثّف زياراته إلى سورية خلال السنوات الستة الماضية، يقول: "لماذا لا نسميها باسمها الحقيقي: المسؤولية الإجتماعية"، فالتكافل والتضامن والتعاضد تشرح جانبا واحدا من الواقع، فيما "المسؤولية الإجتماعية" تظهر الجوهر: كل منا مسؤول عن الآخرين، مسؤولية تختلف حسب إمكانية كل شخص، لكن أحدا ليس خارج هذه المسؤولية".

يتردد سام كثيرا في قبول نشر اسمه: "المشكلة أنّ فوضى هذا الأمر في سورية قد سمحت للكثيرين باستغلال احتياجات الناس التي رتبتها الحرب الطاحنة كي يبرزوا! بل إن بعضهم قد استفاد فعليا من هذا ليس فقط بالبروظة، بل بالصفقات!"، لذلك قرر سام أن تكون مساهمته في تحمل هذه المسؤولية بدفع تكاليف ما يضمن أنه سيصل إلى المحتاجين حقا دون أن يستغل، بدلا من أن يقدم أموالا لجهات لا يعرف كيف ستصرف وأين!

شارك سام (وما يزال) بأوجه متعددة شملت أشخاصا في العديد من مناطق سورية، في دمشق كما في حلب، في حمص كما في طرطوس واللاذقية: دفع تكاليف علاج، أثمان أطراف صناعية لجرحى الحرب، مساهمات للأطفال من مرضى السرطان، ألبسة وأغطية وأدوية لمراكز نازحين.. لكن كل هذا لم يأت فجأة بعد اندلاع الحرب، هو جزء من ثقافة سام الأساسية التي شملت أيضا كفالة أسر فقيرة منذ ما قبل الحرب.

للمغتربين: دور مخفي

جنان أحمد، مغتربة سورية، قالت: إنه "ليس كل ما في هذه الحرب سيء، فإرادة السوريين تجلت في تقديم بعض الواجب لمن صمد على هذه الأرض"، مبادرات فردية صادقة لكنها "غير كافية لحل أي مشكلة.. فهي تشبه المسكنات"، وهي تفتقر أيضا إلى "التنظيم والتدقيق للحالات".
وتؤكد جنان أن العديد من المغتربين يقومون بعمل هام جدا على أرض الواقع، لكنه "تحت الهواء" لأسباب باتت معروفة.

العديد من السيدات السوريات المغتربات يقدمن الكثير، ربما لا يعرف أحد ما يقدمنه، فهن حريصات على ضرب "طوق محكم" من السرية حول مساهماتهن في هذا المجال، كما يتحفظن على الإدلاء بأي تعليق على الموضوع، ومبررهن مفهوم "نحن بعيدات عن الواقع.. حتى ملاحظاتنا نحتفظ بها لأنفسنا لأن من يعمل على أرض الواقع أدرى بظروفه".

في الواقع، هناك عدد كبير من السوريين الذين يعيشون خارج سورية، ليس فقط "المغتربون" بل أيضا اللاجئون الذين تمكنوا من بدء حياة جديدة في أماكن أخرى، يرسلون مبالغ مالية إلى أهاليهم، كل حسب استطاعته.

وليس نادرا أن يرسلوا مبالغ أيضا لجهات ناشطة في مجال المساعدات، أو حتى لأصدقاء في وضع سيء، تشكل جميعها وجها آخر للتعاضد السوري، وإن كان وجها قلما يعترف به أحد لأن من يمارسه أساسا هو أحد أفراد الأسرة تجاه أسرته نفسها.

القرداحة: العمل بصمت

"جريدة القرداحة" ليست "جريدة" وإن تضمنت صفحة على فيسبوك، بل هي نوع من "مبادرة" قدمت الكثير للمحتاجين في المدينة التي يعتبرها الكثيرون "فاحشة الغنى"! لكن "صيت" لا يمت للواقع بصلة، ففي هذه المدينة نفسها، وفي ريفها، آلاف الأسر التي تعاني الأمرّين في الحصول على لقمة العيش، وبالطبع كما في كل مكان آخر من سورية، آلاف الشهداء الذين قدموا حياتهم لأجل وطنهم، فأهملت أسرهم حتى عزت عليهم الحياة!
تضم هذه المبادرة 6 شباب وشابات من المنطقة، بعضم ما يزال على مقاعد الدراسة، وجميعهم تقريبا من ذوي الشهداء.

مئات السلل الغذائية قدمتها المبادرة لأسر الشهداء، دواء للجرحى، قرطاسية وملابس للأطفال في موسمي المدارس والأعياد، مبالغ مالية للأسر الأشد فقرا، ترميم منازل لجرحى وفقراء وتوفير أساسيات أثاثها، دورات تعليمية مجانية لأبناء الشهداء، إضافة إلى دعم نفسي عن طريق الزيارات الدورية الإنسانية والصادقة للأسر المعنية.. هي أوجه مختلفة من عمل هذه المبادرة.

جعفر أحمد، طالب جامعي وأحد مؤسسي المبادرة، يعبر أيضا عن الإستياء الشديد من تحول هذا الأمر إلى "وسيلة بروظة" و"ظهور" عند البعض، "لا أريد أن أكون هجوميا، لكننا لم نتملك الأرضية المسبقة للعمل الإغاثي أو التكافل الاجتماعي سابقا، الأمر الذي أدى إلى التطفل على هذا الميدان من قبل أشخاص أساؤوا له بل وبنوا ثروات!" يقول جعفر: "هذا تسبب بنفور المجتمع وتشكيكه بهذا العمل".

ويؤكد جعفر ما ذهب إليه سام: "هذا العمل بحاجة إلى تنظيم وإدارة صحيحة في كافة أوجهه.. فنحن بحاجة ماسة لهذا العمل ولهذه الثقافة، بل ولثقافة التطوع التي غابت طويلا عن مجتمعنا". لكنه يؤكد أيضا أنّ هذا الإستياء لم ولن يصل إلى توقفهم عن العمل.

ليس من فرق بين "أسرة فقيرة" و"أسرة شهيد"! تؤكد صبيّة من المبادرة: "الأغلبية الساحقة من أسر الشهداء هي أصلا أسر فقيرة وزاد فقرها بعد استشهاد أبنائها".

تعتمد المبادرة التي انطلقت بعملها الميداني منذ مطلع عام 2013، على تبرعات من سوريين في الداخل والخارج، ولا تقبل أي "تمويل" لا محلي ولا خارجي (المقصود بالتمويل هنا وجود "جهة مانحة" تقدم مبلغا محددا من المال مقابل نتيجة محددة، كما تفعل مثلا المنظمات الدولية). تتجنب الإعلام، وتكفيها ابتسامة طفل فرح بلعبة العيد.

حلب: تقليد "جمعية العائلة" الفعال

ليست هذه المبادرات "العامة" هي وحدها الناشطة في هذا المجال، فهناك ما يسمى "جمعيات العائلات" التي تعنى بشؤون عائلة بعينها، عائلة كبيرة تحمل "كنية" واحدة، وهي ليست جديدة في سورية، خاصة في حلب حيث شاعت منذ زمن طويل، بعضها قد مضى على تأسيسها أكثر من 100 عام.

إحدى هذه "الجمعيات" العائلية في حلب دأبت على تقديم العون المالي للأسر الفقيرة أو التي تحتاج إلى مساعدة في مناسبات محددة كالزواج وإجراء عمل جراحي، وخصصت رواتب شهرية للأسر التي فقدت معيلها وتستمر حتى يتمكن أحد أفرادها من إعالة الأسرة.

تعتمد هذه الجمعية على ما يشبه "اشتراك" من قبل أعضائها، لكن هذا الإشتراك بات غير قادر على تلبية ما فرضته الحرب وتدهور القيمة الشرائية لليرة السورية، فازداد العبء على المغتربين من "العائلة" لتصير مساهمتهم هي الأكبر دون أن تلغي أهمية مشاركة الآخرين.

هذه الجمعية متقنة التنظيم، لديها "مجلس" يدير شؤونها، وتقوم بدراسة حالات الأسر المنضوية تحتها باستمرار، وتقيّم كل الحالات بموضوعية بعيدا عن أي اعتبار من أي نوع، وتقرر ما يمكن تقديمه وكيف، وما إن كانت المساعدة مستمرة كراتب أو لمرة واحدة لأمر طارئ ما. وحين تقل "الخزينة" إلى درجة لا تلبي احتياجات المستفيدين، يجري تقسيم المبلغ المتوفر وفق نسبة معينة تأخذ بالحسبان أيضا الفروق بين احتياج وآخر.

تحصر الجمعية مساعدتها بتقديم المبالغ المالية، دون المساعدات العينية، تاركة للأسرة المستفيدة حرية التصرف حسب أولوياتها.

فقط في عيد الأضحى تقدم "الأضحيات" لتوزع على الفقراء فيها.

رغم أنّ هذه "العائلة" الكبيرة قد انقسمت في الحرب، كما انقسمت الكثير من الأسر السورية بين مؤيد للدولة ومعارض لها، فإن هذا "الإنقسام" بقي خارج نطاق تكافل هذه الجمعية بشكل تام. الجميع يعمل ويقدم على أساس "الإحتياج" دون أي نظر لأمور أخرى كالموقف السياسي أو غيره.

النساء والأطفال هم أكثر المستفيدين من هذه الجمعية، نظرا لأن "الترمل" هو اعتبار أساسي لدعمها.

قبل الحرب كانت أعداد قليلة هي المستفيدة من هذه الجمعية التي نتحدث عنها، ربما ما لا يصل إلى 15 أسرة (وهم عدد غير قليل على كل حال، نظرا لآلية الدعم المستمرة)، لكن الحرب وآثارها الإقتصادية دفعت عددا كبيرا من الأسر باتجاه الفقر، وازداد عدد المحتاجين بشدة، مما شكل ضغطا استثنائيا على الجمعية ومواردها المالية.

ثم..
في السويداء ودرعا والحسكة وحمص وحماة وغيرها الكثير من الناشطين والناشطات، فرديا وجماعيا، يقومون أيضا بما يرونه "مسؤوليتهم" تجاه وطنهم وأناسهم، لكن للأسف لم نتمكن من تقديم إضاءة عن نماذج من عملهم، فذلك سيقتضي أن يصير هذا "التقرير" طويلا أكثر مما يجب.

لم تكن هذه "إضاءة" على تحمل السوريين والسوريات لـ"المسؤولية الإجتماعية"، التكافل أو التعاضد أو أيا كان اسمها، بل كانت مجرد "بقعة ضوء" صغيرة لم تتمكن من إظهار سوى نقطة في بحر ما يشد السوريون به بعضهم أزر بعض، والذي يفوق بالتأكيد كل ما قدمته منظمات "الأمم المتحدة" وحتى الأحمرين: الهلال والصليب، ماليا وصحيا ونفسيا، والأهم: اجتماعيا.

بقعة ضوء تقول أننا "بخير" رغم كل الدمار، لكنها تقول أيضا: حان الوقت لنتعلم كيف ننظم أمور عملنا، كيف نتوقف عن هدر الوقت والجهد في "شد شعر" بعضنا، كيف نخلق القنوات والآليات التي تُكامل أثرنا.

وهي بالتأكيد مسؤولية "حكومية"، لكنها أيضا مسؤولية كل منّا أفرادا وجماعات.
بسام القاضي

2017/34/1