السبت، 1 أبريل، 2017

سقطنا.. يوم أُسقط القذافي!

في 17 شباط 2011، خرجت إلى العلن أول مجموعة من الذين سماهم القذافي بـ"الجرذان"!

لم يبق عاقل في المنطقة العربية إلا وأدان هذا التوصيف!

فقد كان "ربيع جهنم" لم يكشف بعد عن أنيابه الحقيقية: إسلام سياسي إرهابي لا يعرف سوى القتل والاغتصاب والتدمير الوحشي للحياة.



كانت ليبيا كسورية وتونس ومصر و... قد أمضت عقودا تحت سلطة الديكتاتورية التي استطاعت تأمين حياة "معقولة" معاشيا للناس، ودرجة لا بأس بها من الأمان البيولوجي، لكنها فشلت (الديكتاتورية) في بناء أي مستوى من "المواطنة"، بالأحرى فشلت في إيقاف التعفن والنخر الداخلي الذي أقامته هذه الديكتاتوريات نفسها: الفساد والنهب والاستزلام والقهر ومنع المجتمعات من تطوير أية قوى خاصة بها قادرة على أن ترتقي بعلاقاتها الداخلية وبعلاقة كل منها مع السلطة.

يحلو لأصحاب نظرية "المؤامرة الكونية" أن يرخوا بمقعداتهم المترهلة على أوهامهم المريضة. متجاهلين كل الأسباب والمقدمات التي قادت إلى هذا الربيع الجهنمي. فهم لا يرون أن حتى "مدفع النيران" لا يستطيع أن يحرق مرجا أخضرا. لكن شرارة صغيرة تستطيع أن تحرق هشيما يابسا. ومجتمعاتنا كانت قد حُولت إلى هيشم يابس يرتع فيه كل أنواع المسوخ: مسوخ السلطات الديكتاتورية كما مسوخ الوهابية والأخونجية والكذبة الكبرى "الإسلام الوسطي المعتدل"!

سرعان ما وجد الغرب الاستعماري وزبانيته في الخليج "القائد" المناسب، فظهر برنارد ليفي، الفرنسي الصهيوني كشعبه ونظامه الذان لم يشبعا من دماء البشر منذ القرون الوسطى حتى اليوم، وأقام "خيمته" في وسط الخراب، وبدأ حملته "الفلسفية" لتدمير المجتمعات، مسخرا كل ما لدى المخابرات الغربية وقطعان المستثقفين العرب لخدمة مشروعه البسيط: تدمير الدول والاوطان.

نجح هذا القاتل، بمساعدة النخب العربية المنحطة، وبمساعدة فعالة من الحماقة التي تميزت بها الديكتاتوريات عبر التاريخ، في تحريض المزيد والمزيد من الليبيين الذين عاشوا حياة مادية لم يعشها عربي! لكن ذلك لم يكن كافيا لإسقاط نظام عرف كيف يركز "أقدامه" على مدى أكثر من 40 عاما. فكان لا بد من أن يتراجع "النمس" الصهيوني ليتقدم الضبع الغربي بنفسه!

بوارج وسفن لا تعرف فوهات مدافعها سوى القتل، وطائرات أدمنت حصد الأطفال والشيوخ قبل الرجال  والنساء، وجميعها تحمل رايات غرب واحد عنصري واستعماري: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وأمريكا و.. بدأت حملتها الدموية مدمرة كل ما ترصده راداراتها: مبان أو بنى تحتية، بشر أو حيوانات أو حتى أشجار.. ولم تتوقف حتى أنجزت المرحلة الاولى من مهمتها: تدمير الدولة والشعب!

صرخ العالم الغربي المنتصر: سقط القذافي. وصرخنا جميعا: سقطت ليبيا!

ومنذ ذلك اليوم دخلت ليبيا في الهاوية. ليس في نفق لتخرج منه، بل في هاوية لن تخرج منها لوقت طويل جدا. فقطر كالسعودية كفرنسا كأمريكا: جميعهم حريصون جدا على أن لا تخرج منها حتى لا تبقى قطرة نفط أو شمة غاز تخرج من أراضي البلد الذي كان الأول إفريقيا والتاسع عالميا في هذه الثروات.

بعدها بقليل بدأ الغليان السوري. مظاهرات محدودة المطالب تقوم بها أعداد مهمة من السوريين لا يجمعها سوى الشارع. فبعضهم يريد "حظيرة دينية" وبعضهم يريد "دولة مدنية ديموقراطية".

لكن السيناريو نفسه تكرر في جزء منه: ليفي وشريكه الأمريكي يقودان قطعان من مثقفي سورية الذي سقطوا في فخ أحقادهم الخاصة وضحالتهم الفكرية والسياسية، ونظام وضع نصب عينيه بقاءه في السلطة، فلم يمض وقت طويل حتى تم "الفرز": سقط كل احتمال لاتجاه وطني ديموقراطي في ذاك الحراك، وانتصر غيلان الإسلام السياسي مدعومين بإعلام "وطني" يخدمهم على أفضل ما يمكن أن يخدمك عدو، وسياسة داخلية رسمية ترمي فتات من "الإصلاحات" لا تكاد تصل إلى الأرض إلا بعد أن يلتهمها غيلان النظام حتى آخر "فتفوتة" منها!

لكن، لأسباب كثيرة  (لسنا بصددها الآن) نجت سورية من أن تسقط في الهاوية نفسها. لكنها سقطت في هاوية أخرى لم تتمثل في حرب طاحنة مستمرة منذ 6 سنوات فحسب (ومرشحة للاستمرار سنوات أخرى)، بكل ما رافقها من مئات آلاف القتلى وأضعافهم  من معوقي الحرب وملايين المهجرين داخل سورية وخارجها..

بل تمثلت أيضا بـ"انتصار" سيظهر عاريا قريبا: قوى الإرهاب تتقاسم السلطة مع النظام، مع ضباعه التي راكمت ثروات وسلطات في هذه الحرب إلى جانب من فعلت ذلك قبلها. وتفرض جزءا من مشروعها سيكون مقدمة وتأسيسا لمشروعها الكامل الذي لن ينتهي قريبا!

ست سنوات مضت: أوطان لم تعد موجودة إلا في قاعات الأمم المتحدة!
عشرات ملايين الشباب العربي الذي كان على حافة اليأس تحولوا إلى قتلة مجرمين ولاجئين وفارين وحشاشين وعاطلين عن العمل والأمل!
نساء كنّ يحلمن بغد أقل بهيمية ذكورية صرن يبعن اثداءهن على قارعة أرصفة العالم كله لتأمين جرعة حليب لطفل تقشرت شفاهه عطشا وجوعا!
إسلام سياسي منحط (مهما ادعى) يتمدد من الرباط إلى طهران، مرورا بعدن وبغداد، وأنقرة وبيت لحم وعمّان والقاهرة والخرطوم وبيروت..

ست سنوات منذ بدأ سقوط ليبيا. ست سنوات منذ بدأت الحرب السورية، ست سنوات منذ أحرق بائع جوال نفسه في تونس، ست سنوات من التضليل المستمر حول حقيقة ما تسبب بتجفيف المنطقة وتحويل شعوبها وقواه إلى "شعير يابس" استعرت النيران فيه بأتفه الشرارات.

نجح برنارد ليفي.. ونجحت الأنظمة العربية.. وفشل القذافي كما فشل صدام!

-----------
بسام القاضي

2017/4/1