الأحد، 16 أبريل، 2017

مجلس الأمن: عاصفة حرب، أم اعتراف موارب بالهزيمة؟!

بدت جلسة مجلس الأمن الاستثنائية المخصّصة لمناقشة مزاعم الغرب الاستعماري بشأن اتّهام سورية بما فعله الإرهابيون من قتل أطفال "خان شيخون" بالسلاح الكيماوي الذي كانوا يحضّرونه لاستخدامه في أماكن أخرى، كما لو كانت عاصفة جبارة ستعصف بالمنطقة، وربما بالعالم، جارفة قوى كثيرة إلى حافة حرب عالمية! أو أقلّه: إقليمية كبرى!


فبريطانيا أصدرت بيانها الشبيه ببيانات "المملكة التي لا تغيب عنها الشمس" في الماضي، والتي كان قتل الناس فيها يعادل قتل الذباب في قصور حكامها. وفرنسا "شدّت وعزّمت"، وكاد مندوبها يعلن أنه يتحدث باسم نابليون! أما الولايات المتحدة، فأقرب ما تشبه كلمة مندوبتها كلمات "روّادها" وهم يخططون لإبادة سكان القارة الأصليين، بحجة أنهم "متخلفون"!
أما على المقلب الآخر، فلم يفارق الهدوء "القاتل" زعيم المحافل الدولية السوري، بشار الجعفري، وهو يطعن هذا بلكماته الماضية، ويثبت نفاق ذاك. وبوليفيا استعادت صوت القارة التي تستحق اسم أمريكا أكثر من جارتها الشمالية الإرهابية، والصين بدت كعملاق سئم من حماقات الصغار، وروسيا أظهرت ثقتها التاريخية التي لم تخنها يوماً.
لكن، بعيداً عن ذلك، بعض العبارات كانت تحمل معاني هامّة أكثر من غيرها، أو لنقل: جميع العبارات التي عصفت في القاعة المغلقة لمجلسٍ، كاد يتحوّل إلى مجلس إرهاب، تُبطن اعترافاً بواقع جديد في سورية.
الفرنسي المتعصّب في عدائه لسورية وشعبها مثل تعصب الإسلام السياسي في عدائه للإنسان وحقوقه، حاول أن ينفش ريش ذيله أكثر مما يستطيع، لكنه، وهو يفعل ذلك، كشف عورته! بالأحرى: كشف اعترافه بالواقع! قال المندوب الفرنسي أن المسؤول عن "إجبار النظام السوري على الوفاء بالتزاماته" هم "حلفاؤه"!
البريطاني الذي يفخر بأن آباءه هم الذين خلقوا أهم تنظيم في قبيلة تنظيمات الإسلام السياسي الإرهابية، الأخوان المسلمون، قال أن الأوان لم يفت بعد "لكي تؤثّر روسيا على دمشق لإنهاء الحرب"!
أما المندوبة الأمريكية، الغنية هي وحكومتها عن التشبيه، فقد أكدت أن الوقت قد حان لكي "تضغط روسيا على الأسد وتدفع مسار السلام" إلى الأمام!
هذه التعبيرات الثلاثة تقول، بصريح العبارة: لم يعد لدينا القدرة على التأثير على مستقبل سورية إلا بأحد احتمالين: إما أن نقوم بغزو عسكري مباشر لنحرق الأخضر واليابس، ونثبت، مرّة أخرى أننا برابرة القرن الحادي والعشرين، كما فعلنا في الصومال وليبيا وفيتنام وكوريا والعراق وأفغانستان، وإما أن تتحرك روسيا للضغط على دمشق كي تقبل بالتنازل لمن خلقناهم وربيناهم وحركناهم، ونطعمهم وندعمهم: الأخوان المسلمين الإرهابيين وشركائهم!

بكلمات أخرى، هو اعتراف علني وصريح بأن ثورتهم المزعومة قد فشلت، أنها قد اندحرت إلى حدّ لم يعد بإمكان أربابها حتى الأمل بأنها يمكن أن "تصمد" أمام تقدّم الجيش العربي السوري وحلفائه البطيء والثابت والمؤكد على الأرضين: العسكرية والسياسية، اعتراف وصل إلى حدّ ترجّي روسيا أن تفعل شيئاً ما يحميهم من أن يضطروا إلى رفع الرايات البيضاء حتى في مجلس الأمن!

هل هذه القراءة "تمنٍّ"؟ هل هي إسقاط لـ"رغبات" كاتبها على واقع مخالف بدلاً من قراءة الواقع كما هو؟
أعِدْ إذا مشاهدة الجلسة العاصفة تلك، انظر جيداً إلى أي كلمات استخدمت وفي أي سياق، أضف ذلك إلى عجز الغرب كله، ومعه مجرمو أنقرة والرياض والدوحة.. عن إنقاذ مجرميهم في أحياء حلب الشرقية، وفشلهم الذريع مرة تلو أخرى في تحويل درعا وريفها إلى "لبنان الجنوبي" ثانٍ..

وإن شئت: أضف أن طائرة عسكرية أقلعت من مدرجات مطار الشعيرات بعد ساعات من الهجوم الإرهابي الغربي، وجِدْ مكاناً لبيان الحلفاء الذي عبّر بصريح العبارة عن أن "التراجع" عن مكتسبات الجيش السوري العسكرية، وبالتالي السياسية، غير مسموح به مهما "بلغت التكلفة"..

ولا تنسَ أن روسيا كانت قد أعلنت عزمها على استخدام "الفيتو" ضد مشروع القرار الإرهابي، بما يعني أن عقد الجلسة نافل أصلاً.

الآن، انظرْ إلى اللوحة الجديدة، سترى بعينيك أنه ليس "لغزاً"، ولا "تمنياً"، بل هو وصف لواقع بسيط في جوهره، تم التعبير عنه ببساطة أيضاً في مجلس الأمن، أمس، وبكلمات واضحة لا لبس فيها، لكن "النبرة" فقط حاولت أن تخفي الحقيقة، حقيقة هزيمة مشروع الغرب الإرهابي وعملائه في سورية.

هناك وقائع أخرى، بالتأكيد، قد تبدو متناقضة مع هذا الكلام، منها ما يجري تداوله عن حشد أردني-أمريكي على الجبهة الجنوبية، أو الدعم الأمريكي المتزايد للانفصالين الأكراد في الشمال، أو خطة "الحزام الوهابي" الممتد من الجولان حتى الرميلان.. لكن تلك الوقائع ليست جديدة، فهي نفسها منذ أكثر من ثلاثة أعوام، فشت خلالها عشرات "الخطط" و"الهجومات"، وسقطت غرف عمليات بكاملها.

بالتأكيد لا يعني هذا أن الغرب قد "استسلم"، وأن "توماهوك" الأمريكي أو الفرنسي أو حتى الإيطالي لن يستخدم مرة أخرى ضد أبطال الجيش السوري، بل يعني فقط أن الواقع السوري هو في مكان آخر اليوم، بعيد عمّا استدعته العملية الإرهابية الأمريكية من الذاكرة: أزمة 2013 بكل مخاطرها الجديّة، التي كانت الحرب المباشرة مع الغرب قاب قوسين أو أدنى.

حرب مجلس الأمن قبل يومين، ربما يصحّ عليها، أكثر من أي كلام آخر، القول بأنها كانت "حرباً مصغرة" عن الحرب الحقيقية: الشعب السوري وجيشه ودولته وحلفاؤه يثبتون واقعاً جديداً، وأعداؤنا يتمرّغون في وحل الضياع بحثاً عن "مخرج"!


بسام القاضي
2017/4/15

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"