الأحد، 2 أبريل، 2017

التوطين: من الفلسطينيين إلى السوريين!

ربما لم يحظَ مصطلح بقدر كبير من النفور الرسمي والشعبي في هذه المنطقة قدر النفور من مصطلح "التوطين"! فقد انحصر معناه -تقريباً- في التداول الإعلامي والثقافي والسياسي بجانب واحد هو نزع آخر علاقة بين الفلسطينيين وأرضهم التي سلبها الصهاينة منذ أواسط القرن الماضي، وتحويلهم إلى "مواطنين" في الدول التي اضطروا للهرب إليها بانتظار فرصة "التحرير" التي لم تأتِ، ويبدو أنها لن تأتي!


التوطين، أو "إعادة التوطين" (لا فرق)، لم يعد اليوم حكراً على الفلسطينيين، بل صار متداولاً أيضاً من قبل منظمات دولية فيما يخص السوريين الفارّين من جحيم حرب شنّها تحالف الغرب الاستعماري والإسلام السياسي ضد وطنهم، مستغلاً تراكم جبال من الأزمات المتراكبة، وقصور تاريخي لم يجد من يحله رغم توفر الفرص والإمكانيات، وغياب شبه مطلق لأي إمكانية للـ"تنفيس" في ظل آلية ديكتاتورية شبه مطلقة، وتحالف اتخذ طابع "القدسية" بين السلطة ورجال الدين، أدّى، فيما أدّى إليه، إلى استفراد الإسلام السياسي بالمجتمع السوري، الريفي أكثر من غيره، بعد تدمير ممنهج تام لأية قوى مدنية وديموقراطية.

منظمات دولية عديدة تستخدم اليوم هذا المصطلح حين الحديث عن السوريين "التوطين" في أوروبا! "إعادة التوطين" في كندا! في فرنسا وأستراليا وغيرها.

الحكومات الغربية تستخدمه أحياناً أيضاً، لكنها لم تحسم أمر استخدامه بشكل نهائي لسبب عملي، فهي ما تزال مترددة بشأن من ستقوم بتوطينه، ومن ستبقيه هكذا، لاجئاً، ريثما تضع الحرب أوزارها فتطردهم إلى بلدانهم!

الجهتان تستخدمان المصطلح الآن بـ"إطار عام"، وما يزال معوّماً وغير واضح المعالم حتى الآن، لكن الأمر نفسه حدث مع الفلسطينيين، إذ لم يتحدد المفهوم ويتخذ شكله التام إلا بعد حرب حزيران 1967، حين صار يعني بدقة: ليس للفلسطينيين مكان في فلسطين، وعلى الدول التي "استضافتهم" أن تمنحهم جنسيتها، وتنهي "القصة".

للوهلة الأولى تبدو المقارنة "ظالمة ومنحازة". فالفرق شاسع بين قضية فلسطين التي احتلتها قطعان تؤمن باليهودية السياسية (الصهيونية) دون أن تجد مقاومة تذكر تواجهها، وبين حرب ما تزال طاحنة في سورية، أحد أطرافها هو الإسلام السياسي (بكل مسمياته)، فيما الجيش والدولة وأغلبية الشعب متشبثة بأرضها، تدافع عنها، بل وبدأت تدحر الغزاة بشكل واضح.

لكن حقائق نشرت عن مدى الفائدة التي تجنيها الدول الأوروبية من هؤلاء اللاجئين السوريين، تظهر أنها ليست مقارنة ظالمة، وإن اختلفت أهدافها، فهناك شعب جرى طرده لإقامة ثكنة عسكرية غربية ضخمة تفرض هيمنتها على شعوب المنطقة، وهنا شعب يجري استنزافه لإجباره على الخضوع لتلك الهيمنة.

الحقائق المتعلقة بالقلق الجدّي في ألمانيا وإيطاليا، والعديد من البلدان الأوروبية، من "اهتراء" القارة بسبب الازدياد المرعب في المسنين، والانخفاض الشديد في عدد المواليد الجدد، والتوفير الهائل في الأموال والجهود بسرقة كوادر سورية في مختلف المجالات (طبية، وهندسية، ومهنية، و..) والذين دفع الشعب السوري (الشعب وليس الدولة) مليارات الدولارات عبر عقود لتمكينهم من خدمة تطوّره، هي حقائق هامّة وأساسية يفكر بها الغرب الاستعماري الذي لم يوفر فرصة لنهب الشعوب بكل الطرق والوسائل.

ربما يمكن إضافة اعتبار آخر، هو حرمان سورية نفسها من عودة كوادرها إليها عندما تضع الحرب أوزارها، هذا الحرمان سيكون له تداعيات خطيرة، فـ"إعادة الإعمار" في كافة المجالات، من البنية التحتية وحتى الإنسان، لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود كوادر متمكنة، فمن أين ستأتي سورية بالكوادر بعد أن تم استنزافهم ويتم توطينهم في أوروبا؟

ببساطة ستكون مجبرة على أحد حلين، إما التباطؤ الشديد في إعادة الإعمار بسبب هذا النقص (وهذا مستبعد)، وإما الاستعانة بكوادر غير سورية لتلبية الاحتياج، وهذا يتضمن ما يتضمنه من "دفع ثمن" هذه الاستعانة، لا فرق جوهري في هذا السياق أن تكون من الصين أو كندا، من روسيا أو فرنسا.

إذاً، قد لاتكون المقارنة ظالمة من حيث الجوهر، وإن اختلفت من حيث الشكل.

حسنا! لا يبدو أن السوريين الذين فضلوا ترك بلدهم في محنته مهتمون بما ستؤدي إليه "إعادة توطينهم" هذه، ففي الأصل القسم الأكبر ممن وصلوا إلى أوروبا لم يكونوا مضطرين لخوض هذه "المغامرة".

لكن على السوريين الذين صمدوا في أرضهم، وأولئك الذين اضطرهم الإرهاب إلى الفرار فبقوا في دول الجوار منتظرين أول فرصة للعودة إلى بلدهم، أن يهتموا بهذا الأمر جيداً، فقد لا تكون تكاليفه أقل بكثير من تكاليف الحرب نفسها، إن لم يكن مالياً، فعلى صعد كثيرة اجتماعية، واقتصادية، وسياسية، وحتى "فكرية".

بسام القاضي
2017/4/2

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"