الاثنين، 24 أبريل، 2017

باقية وتتمدد: الإسلام السياسي ينتصر!

حين أطلق إرهابيو داعش الإسلامي "تحديهم" الأشهر: "باقية وتتمدد"، لم يكن قولهم باطلا وإن كان ما قصد به انحصر وقتها في "حظيرة التنظيم" المسماة "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، بل كان تعبيرا شديد الاختصار عن واقع المنطقة الناطقة بالعربية وهي تسارع خطواتها نحو الإنحطاط الديني.



فداعش نفسه ليس سوى "أداة" آخرى من أدوات الإسلام السياسي. أداة متلائمة مع المستوى الذي وصل إليه العالم "الإسلامي" برمته، والعربي منه بخاصة. أداة تواكب التغيرات العالمية التي جعلت العالم "قرية صغيرة"، لكنها قرية "نموذجية" أيضا: فالسيد فيها سيد متغطرس جبار، والعبد فيها عبد في ولادته ومماته، والحياة فيها هي فقط ما يسمح به هذا السيد لهذا العبد!


قبل داعش ومعه وبعده: لم يتوقف "الإسلام السياسي" عن ابتداع أدواته التنظيمية المختلفة من أجل إقامة "أرض الميعاد" الإسلامية، حيث تداس الحياة بأقدام ذكور لا هم لهم سوى همين في الدنيا: النكاح والمال! ولا هم لهم سوى واحد في الآخرة: حفلة جنس جماعي مع الحوريات لا تنتهي أبدا!


فمن الأقدم في القرن العشرين، الأخوان المسلمون، وحتى الأجد في الواحد والعشرين: أسماء ميليشيات الثورة السورية، مرورا بالأسماء المختلفة لما يسمى "الإسلام المعتدل" و"المتشدد" و"الجهادي" و"السلفي"، سنيا وشيعيا.. تقدمت هذه الأدوات عبر العقود الماضية لتحتل المشهد على المنصات الرئيسية لأغلب ساحات الحياة في المنطقة.


الوهابية في الرياض المحتلة، الأخونجية في الدوحة المغتصبة، أنصار الله والقاعدة في اليمن، الشباب في الصومال، داعش والأخوان والسلفيون في السودان ومصر وليبيا، الأخوان وداعش والسلفية في تونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، الأخوان والسلفية وداعش في فلسطين والأردن، داعش والأخوان والسلفية وحزب الله وحركة أمل في لبنان، الأخوان وداعش والحشد الشعبي (وأسماء كثيرة) في العراق وسورية.. ودائما، وفي كل مكان: القاعدة!


طبعا، لم نعدّ باكستان وأفغانستان وإيران ونجيريا.. بما أننا نتحدث عن ما سمي بـ"الدول العربية" تحديدا.

لا يتعلق الأمر فقط بـ"تنظيمات" سياسية نخبوية. بل جميع هذه القوى هي تنظيمات "شعبية"، لها قواعدها وجماهيرها الواسعة والتي تشكل الأغلبية الساحقة من مجتمعات شرق المتوسط كله (ضمنا المرتزقة الصهاينة في فلسطين). هي أدوات تمتلك "قوة التنظيم"، تمتلك الأموال والسلاح الناري، تمتلك وسائل إعلام في كل مجال، تمتلك أيضا كل أو بعض سلطة "الدولة" حيث هي.

وجميعها دون استثناء تمارس سلطات "دولة" حيث تفرض سيطرتها. بدءا من فرض الأزياء التي تلائم تصوراتها على الطفلات والنساء، وحتى "حماية" أتباعها من أية "جهة أخرى" بما في ذلك حمايتهم من سلطة الدولة نفسها حيث تكون متعارضة مع هذه التنظيمات.

"الحلال والحرام"، قواعد التعامل والسلوك، الإرتباط والتعبية لرجال الدين، "المقررات" الإسلامية في الزواج والطلاق، الفنون بأوجهها، وحتى "الملامح" البشرية من "نتف الحواجب" للنساء أو "اللحى والشوارب" للرجال.. تخضع كليا لهذه التصورات التي تفرض بالقوة: القوة العارية أحيانا (كالقتل أو الاعتقال)، والمواربة أحيانا أخرى (كالمقاطعة والنبذ والحرمان).

يعرف الجميع: السلطات والنخب والباحثون والناس.. أن هذا الواقع حقيقي في الأغلبية الساحقة من المنطقة، ما لم يكن في كل شبر منها. كما يعرفون بأنه لم يكن كذلك قبل عقدين أو ثلاثة من الزمن، حين كان "الإسلام" ما يزال "دينا اجتماعيا" أكثر مما هو "سياسي". وبالتالي كان الناس يمارسون ما يمارسونه بقناعة أو تحت ضغط المجتمع، لكن دون وجود ذلك "التنظيم" الذي يفرض الواقع فرضا، ويدمر كل احتمال وإمكانية أخرى، ويقود الجميع نحو الحظيرة التي يريدها بالضبط.

وكما هو واضح اليوم: لبنان لم يعد سوى "طاولة تقاسم سلطات" بين الطوائف المختلفة، مهما ادعى كل طرف أسبابا لوجوده! وليبيا "انتهت"! والعراق هو بالضبط سلطة تقاسم طائفي وإثني! وباقي دول المنطقة في الخانة نفسها بألوان تختلف قليلا هنا أو هناك.

ولم يبق سوى "سورية" التي يعرف كل عاقل أن ما يسمى بـ"المفاوضات" أو "الحوار" أو "الحل السياسي"، ليس سوى تعبيرا "متداولا" لحقيقة بسيطة: تقاسم السلطة بين النظام القائم نصف الديني مع ميليشيات الإسلام السياسي الإرهابية التي تمكنت من الصمود لسنوات ستة، وتريد أن تحصد ثمار صمودها هذا بعضا من كعكة السلطة بعد أن أخفق مشروعها في الاستحواذ على الكعكعة كلها. أي أن النتيجة الحتمية لهذا المسار هو تفاقم سلطة رجال الدين في "السلطة" و"المجتمع" في سورية.

إذا؟
هل كانت "صرخة" داعش الإرهابي في صحراء؟!

بالتأكيد لا. فالواقع يقول أنها كانت تعبيرا "صفيقا" عن واقع حقيقي. واقع أن المنطقة كلها لم تفشل فقط في محاولتها البائسة لـ"النهضة" في أوائل القرن العشرين، بل فشلت في الحفاظ حتى على مستوى المدنية الذي حققته فترة "المد القومي" أواسط القرن الماضي، وانحدرت متسارعة نحو القبلية الدينية التي لا تعترف بإنسان ولا بحقوق له إلا ما يقرره حفنة من "رجال الله" يحكمهم، كما قلنا أعلاه: الجنس والمال في الدنيا والآخرة.

ربما، ربما كانت الصرخة التي أطلقها الشهيد السوري، يحيى الشغري: "والله لنمحيها".. هي الأمل الوحيد الباقي لشعوب أدمنت الإنهيار كلما ارتقت درجة، والإنكفاء قرونا كلما مشت سنة!
أمل معلق بخيوط نظام أصر على أن تكون حرب بقائه، لا حرب بقاء وطن!
أمل يبدو كوهم في ليلة صيف قائظة!
لكنه يبقى الأمل الوحيد.

-----------

1- من الناحية المتعلقة بمقاومة المشروع الصهيوني في المنطقة، لا يمكن وضع تشكيلات الإسلام السياسي في  السلة نفسها. لكنها ناحية خارج إطار هذا المقال.

2- أيضا خارج إطار هذا المقال أسباب ما أوصلنا إلى هنا

3- لا يختلف واقع الحال لدى "المسيحيين" في المنطقة عما ذكر أعلاه، من جميع الجوانب، باستثناء جانب واحد هو استخدام "القوة العارية" لفرض التصورات، بما ينسجم مع واقع التركيبة الدينية-الطائفية للمنطقة. ولذلك مارست "المسيحية-السياسية" القوة العارية حين تمكنت في لبنان، لفعل الأمر نفسه.

4- الواقع عند الطوائف التي لا تذكر عادة في هذا السياق (العلويون والدروز والاسماعيليون واليزيديون) هو نفسه من حيث الجوهر، جوهر تفاقم سلطة رجال الدين والتصورات الدينية-الطائفية وتحكمها بمفاصل الحياة، وإن اختلفت أشكالها وأدوات ممارستها.




بسام القاضي
2017/4/24