الأربعاء، 12 أبريل، 2017

من يغيّب "اليسار العربي" عن الإعلام؟

كيفما التفتّ، يمينا ويسارا، فيما يسمى "إعلاما خاصا" وذلك الموصوف بـ"الرسمي"، "الحرّ" منه و"المقيد".. ستجد في كل مناسبة من مناسباتنا التي باتت شبه مقتصرة على الموت والدمار، طوفانا من نشر وإعادة نشر ما صرح به فلان أو علتان، هذه الجهة أو تلك.

لكن، لا تعذّب نفسك، لن تجد في هذا الطوفان حتى "قطرة" من مواقف الأحزاب والقوى، بل وحتى الشخصيات الموصوفة بـ"اليسارية"، شيوعية وغيرها!


ليس هذا الأمر جديدا، فالحرب ضد اليسار، ضد عقله وفكره، ضد جدليته ونقده، ضد "حلمه" الذي شكل الخطر الأكبر على الواقع الأسود للرأسمالية والواقع الأشد سوادا للحظائر الدينية والطائفية، هي حرب ضروس لم تبدأ مع التجربة السوفياتية، ولم تنته مع "انهيار المعسكر الاشتراكي"، ولن تتوقف حتى لو انقرض اليساريون عن بكرة أبيهم، فالحلم نفسه هو الخطير، الحلم الذي انبثق من عقل الإنسان، لا من "مكان آخر" فيه.

ولأنه انبثق من عقله، فإن خطره لا ينتهي بزوال الأشخاص الذين يحملونه. بل فقط بسحق "الفكرة" نفسها في أي من أشكالها.
أليست "الأفكار" أكثر كائنات الأرض قدرة على الطيران مجردة، عابرة لحدود الجغرافيا والزمان، ومتوطنة هنا وهناك حيث يعم الظلم والقهر والنهب والاستغلال، أي في كل شبر من عالمنا اليوم وفي المدى المنظور؟!

خذ أحدث الأمثلة: التفجير الإرهابي في كنيسة في طنطا المصرية، و"غَوغل" عن الأمر، ستجد "إدانات" حتى من عواصم الإرهاب الدولي كباريس، وعواصم الإرهاب الإسلامي كالحياة، لكنك لن تجد إدانة من حزب شيوعي سوري، أو مصري، أو مغربي! رغم أن هذه الأحزاب جميعها تسارع إلى إدانة هذا الإرهاب!

الأمر نفسه في التفجيرات التي طالت دمشق ومدن سورية الآخرى! وبيروت وعمان والقاهرة!

لا يحدث هذا "بمحض الصدفة"، فهو سلوك واع وإرادي وممنهج، تقوم به وسائل الإعلام ضمن سياق عداء أكثره للحلم اليساري (اشتراكي أو شيوعي أو أي كان ما تسميه)، وتفضيلها حتى مجرمي الطوائف والأديان على مواطنين واعين سلميين ومدنيين يريدون حلما بهذه الدرجة من الخطورة على مستقبل القطيع البشري كقطيع!

فإن صدف أن سألت أحد المسؤولين عن هذه الوسائل، عن السبب، ستجد سيلا من الذرائع المثيرة للشفقة، لكنك ستجد في كل هذه الذرائع حقيقة بسيطة تفضحها عبارات ذاك المسؤول: الاحتقار لهؤلاء المدنيين!

لنكن منصفين، ليس هؤلاء وحدهم المسؤولين عن تغييب اليسار العربي، وإن كانوا يتحملون مسؤولية أكثر من 80% من هذا التغيير، لكن واقع هذا "اليسار" مسؤول عن عشرين بالمائة الباقية!

فإن وجد صحفي أراد أن "يدحش" تعليق لمسؤول شيوعي على مقال يعده للنشر، سيجد نفسه أمام متاهة من البيروقراطية والرعب، فلا أحد يجرؤ على تقديم تصريح مباشر حتى في أقل القضايا أهمية، دون الرجوع إلى "الزعماء"! فالزعماء يمتلكون مفاتيح "الحياة الحزبية" كلها، وإن أخطأ هذا "الجريء" فصرح بما لم يُصرَّح له بالتصريح به، سيجد نفسه أمام ورطة حقيقية!

بل، إذا تمكنت من التواصل مباشرة مع "الزعيم الأعلى" أو من يقوم مقامه، فستجد (غالبا) أنه غير مستعد للإدلاء بأي تصريح قبل أن "تجتمع القيادة الحكيمة" لتقرر ما إذا كان يجب استخدام "إنّ" أم "أنّ" أو إحدى بنات خالتهما!

الإعلام الذي تم تحويله منذ عقود إلى "منصة" متأصلة في عدائها لليسار أكثر مما هي معنية حتى بعداء الصهاينة والأخونجية، واليسار الذي تفوح رائحة عفن بيروقراطيته، أمران تكاتفا معا ليغيب موقف هذا التيار عن الناس، وليدفع نفسه مع دفع الآخرين إلى الموت الحقيقي بين الناس.


بسام القاضي

2017/4/12

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"