الثلاثاء، 16 مايو، 2017

السحر الأسود في "البيت الأبيض"!

حين أعاد سعدالله ونوس، المسرحي السوري الرائع، صياغة تلك المقولة القديمة عن أن العرش هو الذي يصنع الملوك لا العكس، في مسرحيته الشهيرة "الملك هو الملك"، لم يخطر بباله أن للمسألة "وجه" آخر، أو اتجاه آخر.



ناقش سعد الله ونوس فكرة أن "قواعد السلطة" هي التي تحكم الحاكم، وهي من تقولب أيا كان في إطارها وتخلق منه خادما لها، ومن ثم تحوله إلى ملك يتحكم بها وبالناس.


لكن لم يخطر بباله، ونوس، أن يناقش ما الذي يحدث بعد أن يخلع العرش صاحبه؟ ربما لأنه عاش في بلد ومنطقة لا يخلع فيها العرش صاحبه، ولا يخلعه الناس، إلا موتا أو قتلا!


لكن أماكن أخرى في العالم، موسومة بـ"الديموقراطية"، يتبدل الجالسون  على العرش الذي يبقى. والذي قلما يستطيع "المعرش" أن يغير فيه أي تفصيل يذكر. فهو راسخ ثابت بآلياته، متغير ومتبدل بأشكاله.


مناسبة هذا الكلام ظاهرة تفردت بها الولايات المتحدة الأمريكية، الوطن الذي قام على احتلال اسيتطاني لمرتزقة أوروبا الفارين، فصار "القوة" التي تحكم العالم، أو كثيرا من أصقاعه.


فجميع من تربع على عرش البيت الأبيض منذ نصف قرن على الأقل، دون استثناء، مر بمراحل ثلاث من "السحر الأسود" في علاقته مع "البيت الأبيض".


المرحلة الأولى هي مرحلة الإنتخابات، حيث يتحول الطامع بالعرش إلى كراكوز بهلواني لا يتوقف عن الوعد والوعيد، يستخدم كل ما في إبداعات عالم الموضة والمكياج ليظهر أنه هو، هو بالذات، الذي يخضع له "مارد القنديل" الذي سيغير وجه الولايات المتحدة والعالم والتاريخ بمجرد أن "يجلس"!


المرحلة الثانية هي مرحلة الجلوس، حيث تختفي الكثير من تلك الوعود دون أي شرح أو تبرير! وتلغى أخرى بألف حجة وحجة! وتعدل ثالثة لتكون على مقاس مسننات الماكينة الراسخة في أسس البيت الأبيض.


أما المرحلة الثالثة، وهي التي يتميز بها الرؤساء الأمريكيون عن غيرهم من الزعماء الذين يتركون العروش دون طرد، فهي مرحلة ما بعد البيت الأبيض، حين يُفكّ السحر، ويتذكر المأفون أنه لم يعد خادما للكرسي، فيبدأ بإظهار "جهبذيته" و"إنسانيته" و"اتساع أفقه" وما إلى ذلك من ترهات خبأها في "كمّه" دون أن يظهرها حين اعتلى المسرح!


باراك أوباما، آخر كاركوزات هذا المجال، "أعرب عن رأيه بأن نقص الغذاء هو أحد الأسباب الذي يدفع الناس إلى الهجرة"! متذكرا في كلمة له أمس، بإيطاليا، أن "الإنسان قد تسبب بالعديد من المشاكل لكوكب الأرض"!


أوباما أكد انه "يمكننا اتخاذ الخطوات التي من شأنها أن تحدث الفرق"!


حقاً؟ يمكننا ذلك؟!
ألم يكن يمكنك حين كانت سلطاتك تسمح لك بأن تقصقص بعضا من أنياب شركات بلادك التي نهبت العالم من القارة المجاورة لك جنوبا، وحتى كوريا الجنوبية شرقا؟!


ألم يكن بإمكانك أن تحدث "فرقا" مع شركة نايكي مثلا، التي تستعبد الناس في "نمور آسيا" الذين ينتجون منتجاتها الفارهة وهم غارقون في البؤس والفقر والذل فيما هي (نايكي) وأنت (الأمريكي الأصيل) تستمعان بتدمير شعوب بكاملها؟!


ألم يكن بإمكانك أن تحدث ذلك الفرق فيما مصانع أسلحة "بلادك" ومفاعلاتها النووية وشركاتها الكيماوية و.. التي تعد أحد أهم أسباب التلوث العالمي (وثقب الأوزون) حين كان "الصولجان" بيدك؟!


أوباما ليس سوى آخر سلسلة هؤلاء الناجين من السحر الأسود للبيت الأبيض. لكنه أيضاً دليل إضافي على أن العرش الأمريكي لم يصنع من مخمل أو ساتان.. بل صنعت واجهته فقط منهما، واجهته التي تغطي آلية ضخمة قوية وراسخة لا يمكن لعابر سبيل أن يحدث فرقا مهما فيها، حتى وإن استغرق عبوره سنوات ثمان!


هذه ليست شتيمة لآلية الديموقراطية في إدارة العلاقة بين السلطة والناس في الغرب، الإستعماري والمتوحش بكل تأكيد. وليست بابا للمقارنة مع الديكتاتوريات المتعفنة التي تمضي هي، جارة شعوبها (بل رعيتها) إلى الهاوية مرارا وتكرارا..
بل هي مجرد تساؤل إن لم يكن يصح القول (إلى جانب: الملك هو الملك): الأمريكي هو الأمريكي!


بسام القاضي

2017/5/10