الجمعة، 19 مايو، 2017

مَن يسعى إلى "تفجير" تل منين السورية؟!


صار من الطبيعي أن نقرأ لبعض الموتورين اتهاماتهم لهذه المنطقة السورية أو تلك بأنها "بيئة حاضنة" لإرهاب الإسلام السياسي. فهي أصلاً اتهامات عززها النظام نفسه بشكل غير مباشر عبر إعلامه الذي تجاهل أي حقائق تناقض هذه التهمة تتعلق ببعض المناطق التي احتلها أولئك الإرهابيون، وسيطروا على ناسها، وفرضوا عليهم "الإنفصال" عن وطنهم بدرجة أو أخرى.

لكن الحقائق كثيرا ما تكون مناقضة تماما لهذه التهمة. 


تل منين مثلا، المنطقة الواقعة شمال دمشق (القلمون)، والتي سيطر أولئك الإرهابيون على حياة سكانها قبل أكثر أربع سنوات (كانوا نحو 20 ألف نسمة)، فحاصرها الجيش السوري لمنع تمددهم خارجها، أدارت حياتها تحت وطأة أولئك "المسلحين" (أغلبهم من أبنائها أصلا) بطريقة ذكية مكنتها من أن تحفظ حياة سكانها، وأن تحفظ ممتلكات الدولة ومؤسساتها من أي ضرر، بل وأن تتحول إلى "قبلة" للمهجّرين من مناطق عدة (خاصة الغوطة الشرقية) يلجؤون إلى أهلها فيجدون من التعامل ما لا يجدونه في مكان آخر، بل وتوجههم السلطات السورية ليتجهوا إلى التل وتطالب أهلها باستقبالهم.

ارتفع عدد سكان التل خلال هذه السنوات إلى نحو 700 ألف نسمة، لم ينم شخص واحد منهم في خيمة! ولا جاعت امرأة واحدة! ولا انقطع طفل واحد عن التعلم! وفوق ذلك: لم يضطر شخص واحد إلى تغيير عاداته وسلوكه في ظل رحابة صدر مميزة لأهل هذه المدينة المتألقة.

حرر أهلها، بجهودهم، العديد من أسرى الجيش السوري الذين وقعوا في قبضة الإرهابيين. حرروا أيضا جثامين شهداء قتلهم أولئك. أجبروا حملة السلاح على التزام "الصمت" تجاه حياتهم اليومية فلم يتمكنوا من سرقة حتى سلة غذائية واحدة، بل لم يتمكنوا من "شهر" أسلحتهم إلا في مناطق محدودة داخل المدينة. وتقريبا لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه الطريق الأساسي الرابط بين دمشق ووسط وشمال البلاد رغم مروره بمحاذاة، تماما بمحاذاة، المدينة.

بقيت جميع المؤسسات داخل المدينة تعمل (باستثناء بعض الأجهزة كالشرطة مثلا)، قاموا بجباية العديد من الضرائب والفواتير وتسليمها للحكومة أولا بأول. لم تعترف الحكومة بذلك فحسب، بل أقر وزير الكهرباء، إثر خروج الإرهابيين، أن سلكا نحاسيا واحدا لم تخسره الشركة في التل خلال أربع سنوات الاحتلال!  وهناك وثائق تثبت أن الوزارة جبت أكثر من 80 مليون ليرة سورية قيمة فواتير كهرباء متراكمة، خلال أشهر فقط (من أصل 120 مليون تراكمت على المدينة، مقارنة بـ 700 مليون للمنطقة كلها، وجميعها تحت سلطة الدولة، بالكاد جبي منها شيء حتى الآن).

ثم، وبقوتهم الخاصة (مع مساعدة طفيفة من السلطات)، تمكنوا من إجبار داعش والنصرة وشركائهم على الخروج من المدينة (كالعادة: إلى إدلب المحتلة)، بمظاهرة عارمة شارك فيه الآلاف من سكان المدينة الأصليين، أعلنوا فيها رفضهم للسلاح والقتال، وإرادتهم بالسلم والسلام وخروج "المسلحين" وعودة المدينة إلى حياتها العادية في كنف دولتها.

أكثر من 4000 شقة "ع العضم" كسيت بطريقة أولية لتأوي جميع المحتاجين. أطعمت العام الماضي نحو 60 ألف شخص. رفضت أي نوع من التمييز بين قاطنيها: أصليين ومهجرين و.. (كما فعلت مناطق أخرى!)، سواء بالدور على الفرن أو بالاستشفاء أو بأي أمر آخر.
بل خصصت مقبرة أخرى إلى جانب مقبرة المدينة لتتسع لكل من لم يجد قبرا ليس من المهجرين فحسب، بل حتى من دمشق وباقي القلمون. فصارت شواهدها تحمل أسماء مدن وقرى من كل سورية، كما لو أنها خريطة مدرسية.

شكلت المدينة مجموعةً من الشباب المتطوع وسمتها "لجنة حماية المدينة"، بلباس مميز ورقم هاتف وأماكن واضحة علنية. تقوم أيضا بدوريات ليلية، وتحمي أهل المدينة من "ضعاف النفوس" في ظل غياب أجهزة الشرطة بكل أنواعها (مؤخرا دخلت دراجة نارية واحدة لشرطة السير، مع وعد بزيادة العدد قريبا).

ليس هذا سوى غيض من فيض ما فعله سكان تل منين خلال سنوات أربعة من الاحتلال. كان فيها أيضا العديد من شبابها في صفوف الجيش السوري (والقوات الرديفة). إلى أن تحررت قبل نحو  ستة أشهر (2016/12/2).

لكنها المدينة "المغضوب عليها" من أولئك الموتورين الحاقدين المدعين للوطنية! بل: مغضوب عليها أيضا من قبل زمرة من المجرمين في داخل النظام الذين أرادوها "بقرة حلوبا" لفسادهم واستزلامهم!

سوق "المنفوش"!
"سوق المنفوش" ليس سوى أحد تجليات ذلك الإجرام. فطوال السنوات الأربعة من الاحتلال رفضت السلطات السورية السماح لتجار التل (أو للناس العاديين) بإدخال المواد التي يحتاجونها في حياتهم، بطريقة عادية. بذريعة أن لا تصل إلى الإرهابيين، رغم معرفة تلك السلطات معرفة يقينية أن رغيف خبز واحد لم يذهب لغير مستحقه في هذه المدينة!

سوق المنفوش هذا الذي امتلكه تاجر حرستاوي من أزلام النظام، شكل المنفذ الوحيد لمئات آلاف الناس هؤلاء كي يشتروا أغراضهم، من الحبوب إلى الألبسة، ومن البطاريات الصغيرة إلى الغاز والمازوت.. بنى "شراكته" المافياوية مع أولئك المجرمين، فأدخل إلى سوقه كل ما يحتاجه السوري، وأُجبر قاطنو المدينة على شراء احياجاتهم منه بأسعار فاحشة! 

لا أحد يعرف كم بلغت ثروة هذا "التاجر"، ولا كم نهب أسياده في النظام من خلاله!

تحررت "التل" اليوم. لكن، بغصة وقهر، يقول أحدهم: "لا يوجد تلّي واحد يقارن بين تلك الفترة واليوم، من حيث أننا تخلصنا من المسلحين وعادت الدولة لنا.. لكننا لا نستطيع إلا أن نتألم لما يمارس اليوم لمضايقتنا على مدار الساعة"!

العقاب بالكهرباء!
الكهرباء مثلا. فأمس أعلنت سانا عن إيصال الكهرباء إلى مدينة التل بعد 3 أشهر ونصف من انقطاعها التام. قالت السلطات أن ذلك جاء "بعد إنجاز أعمال الصيانة وإصلاح الأضرار التي ألحقها الإرهابيون بمحطة تحويل التل".

في تلك اللحظات كنتُ في مدينة التل.. فعلا ضحك الكثيرون. الحقيقة أن محطة التحويل جاهزة منذ 3 أشهر بالتمام والكمال. لا ينقصها سوى "حبسة" واحدة على البرج الملاصق للمحطة والذي يربطها مع شبكة التوتر العالي، ورفع العتلة! بل: لم يتضرر كبل واحد داخل مدينة التل أو في المسافة بينها وبين المحطة. أهلوها حافظوا عليها سليمة تماما رغم أربع سنوات من الاحتلال. 

إذا؟ لماذا بقيت الكهرباء مقطوعة طوال هذه الفترة؟ 
لا أحد يعرف. يسخر مني بعض الأهالي: هل تسأل جادا؟ ابحث عن تجار المازوت والبنزين اللازم للمولدات (لم تدخل قطرة واحدة من المازوت للناس منذ تحريرها. بينما الشوارع ممتلئة بالبيدونات المهربة عن طريق "معروف").. ابحث عن مستوردي المولدات.. ومن ثم ابحث عن الذين يريدون معاقبتنا لذنب لم نرتكبه.."! 

هذه هي الأسباب التي يعتقد التلّيون أنها وراء حرمانهم من التيار الكهربائي طوال هذه المدة. في الواقع: هذه هي الأسباب الحقيقية كاملة: الفساد والنهب المعتمد على سمعة بناها أساطين هذا الفساد والنهب جعلت الناس تظن أنها "مدينة مارقة"! وليست "أعمال الصيانة" المنجزة كليا منذ أكثر من 3 أشهر!

فماذا تغير حتى "جاءت الكهرباء"؟! ما تغير هو أن أهل التل قد "فاض بهم الكيل"! فقرروا أن الوقت حان ليصرخوا بوجه من أصمّ أذنيه. وقرروا البدء بتنظيم اعتصامات ومظاهرات.. الأمر الذي أجبر كبار المسؤولين في النظام على التجاوب. فمدينة بهذا الحجم من السكان، وبهذه الطاقة، مدينة تخيفهم إن قررت أن تخرج إلى الشارع!

في الحقيقة، لا تخيفهم فحسب. بل هي أيضا قد "تقطع" رزق بعضهم!

أتوات حتى على "الدبان الطاير"!
الأمر بسيط: ما زال الحصار قائما بشكل موارب. فلا يستطيع أحد إدخال شيء إلى المدينة، لا خضروات ولا حبوب ولا وقود ولا.. إلا بعد دفع "الخوة"، الأتاوة!

من بين طريقين مفتوحين لدخول المدينة، هناك طريق يمكنك عبوره إن لم تكن تحمل شيئا، أي شيء. ولا يمكنك عبوره بسيارتك إن كان فيها كيسا فيه بضع كيلوغرامات من البندورة مثلا. ستجبر على الرجوع لاستخدام الطريق الآخر.

الجميع يعرف "الآلية" على الطريق الآخر. تفتش سيارتك. فإن كان فيها أي شيء، عليك أن تنزل إلى "الغرفة". في الغرفة ستسمع ديباجة طويلة عريضة عن "أهالي الشهداء".. ومحاضرة وطنية عن ضرورة "مساهمة" الجميع في مساعدتهم. وليس لديك أي خيار لا في أن تمتنع عن الدفع، ولا حتى في أن "تساوم" على المبلغ. التسعيرة معروفة وواحدة: 10 ليرات على ليتر الوقود مثلا! ثلاثة آلاف ليرة سورية أو خمسة أو عشرة على حمولة سيارة عادية (بيك آب) من البضائع.. وهكذا.

تدفع الأتاوة التي يسميها أهل التل، بقهر وابتسامة: الضريبة! فتحصل على قصاصة ورقية ليس عليها أي شيء، يوقعها "الجابي"، وتسمح لك بالمرور إلى داخل المدينة. إنها "وصل الأتاوة"!

يدّعي جباة الأتاوة هؤلاء (وهم جباة لأن ما يقبضونه لا يذهب إلى جيوبهم، بل إلى جيوب أسيادهم الغامضين!) أن هذه المبالغ هي "لمكتب شؤون الشهداء". بالطبع: لا يوجد أي وصل أو وثيقة تثبت ذلك. 

إحدى الكازيات التي توقفت طوال السنوات الماضية، تمكنت من إعادة التعامل مع "سادكوب" لتزويدها ببعض البنزين. وكما يعرف الجميع: سادكوب هي الشركة الحصرية لتوزيع الوقود في سورية. أرسلت الشركة صهريجها. وعند المدخل سمع سائقها المحاضرة المعتادة، والطلب الصريح الوقح "عشر ليرات على الليتر، وأنت بع بالسعر الذي تريده". رفض هذا الشخص العرض. وأعلن أنه سيدفعها من جيبه ولن يرفع السعر قرشا واحدا. العديد من أهل تل منين أكدوا أنه فعلا لم يرفع السعر قرشا واحدا.

"طريق الجباية" ذاك هو أحد أهم مصادر ثروات الفاسدين. خروج التل بمظاهرات يسمح بتفجير الوضع فيها. وتفجر الوضع فيها يسمح بإعادة ظهور الإرهابيين وسيطرتهم عليها. يعني: سينقطع "نهر الذهب" هذا الذي تفوق مضاعفا على "ساقية المنفوش"!

مصدر آخر "للجباية" من نوع يعرفه الكثير من السوريين، انفتح بعد أن تحررت المدينة. 

ابتزاز "التسوية الأمنية"!
فطوال السنوات الأربع اضطر الناس إلى التعامل مع حملة السلاح، ليس فقط لأن أغلبهم من أبناء المدينة، بل أيضا لأنهم أرادوا، بحنكة وذكاء، تجنيب المدينة شرهم. سواء من حيث النهب والسرقة أو من حيث فرض تصوراتهم المريضة عن الدين. نجحوا بذلك بوضوح. فإضافة إلى ما ذكر أعلاه، وخلال تجوالي لساعات في شورع المدينة لم ألتق بأكثر من عدد أصابع اليد الواحدة من "المنقبات". الأغلبية الساحقة هي بزي أهالي الغوطة (مانطو طويل مع حجاب عادي) إلى جانب الزي التلي (مناطو عادي أو سبور مع حجاب، وأحيانا بلا حجاب).

هذا النجاح لم يتوفر بـ"هبة إلهية" أو "هبة سلطوية". بل توفر بجهد أهالي التل. عنى هذا تواصلا يوميا مع حملة السلاح هؤلاء. أي لقاءات شخصية واتصالات هاتفية بكل أنواعها.

من الطبيعي أن المخابرات تراقب هذا. وتسجل وتتابع. فما إن تحررت التل حتى تكشف الأمر عن العشرات من "المطلوبين" من أهاليها، نساء ورجالا. 

لم يشعر أهل التل، ضمنا المطلوبين أمنيا، بأي مشكلة. فهم يعرفون ما فعلوه، وواثقين من صوابتيه، ولا يخشون لوما. فسارع أغلبهم إلى التواصل مع أجهزة الأمن لـ"تسوية" هذه العوالق.

في هذا السياق ظهر العديد من "السماسرة" الذين خبرهم عشرات آلاف السوريين خلال سنوات الحرب هذه، إضافة إلى من عرفهم سابقا خلال سنوات "السلم" في الكثير من مناطق سورية! هؤلاء يسمسرون على "التسويات": ادفع كذا لآتيك بورقة إنهاء الوضع من فرع المخابرات العلاني، أو فرع المخابرات الفلاني. 

بعض هذه السمسرة هو خداع. لكن كثيرا منه هو "نصب واحتيال" بالتواطئ مع مستزلمين داخل هذه الأفرع الأمنية!

أحد هؤلاء "المطلوبين" المشهود له بعمله في التل، قال منفعلا: "هل من المعقول أن أذهب (مع آخرين) إلى الفرع نفسه الذي يطلبني، فلا يرضى أحد أن يتعامل معنا أو يسألنا أو يستفسر أو.. ويعيدونا دون أن ينهوا موضوع المطالبة الأمنية؟.. وقبل ذلك وخلاله وبعده، يأتينا الكلام واضحا وصريحا: ادفعوا كي ينتهي الأمر!". 
آخرون أكدوا أن هذا حصل، ويحصل فعلا معهم.

لم يخلو الأمر من شرفاء داخل هذه الأفرع. فأحد الضباط في أحدها تواصل مع معنيين في المدينة وأخبرهم بأن يتجه هؤلاء (المطلوبون إلى الفرع الذي يعمل به) لينجزوا تسوية أوضاعهم الأمنية دون أن يتعاطوا مع السماسرة. لم يكن كلام هذا الضابط خداعا. فقبل أيام تمكن فعلا العشرات من هؤلاء من إنهاء الإشكالات المتعلقة بهم بكل سهولة. لكنه مكان واحد من الكثير من "الأماكن" المخابراتية المتداخلة والتي لا يعترف أحدهم بالآخر!

هذا التدخل من هذا الضابط أكد، واقعيا، أن استمرار عدم حل الكثير من هذه القضايا التي تمس المئات (وربما أكثر) من رجال التل ونساؤها هو أمر متعلق فعلا بالابتزاز والنهب حصرا.

طبعا، بعض الناس ما زالوا يتواصلون مع حملة السلاح الذين خرجوا. فالبعض هم أبناؤهم. والبعض الآخر يحاول إيجاد حلول مشاكل عالقة لا يمكن حلها دون التواصل مع هؤلاء. فمثلا: هناك قضايا عالقة بين التل وبلدات قريبة منها تتعلق بخطف الإرهابيين لأشخاص من تلك البلدات وقتلهم. يريد أهل التل، بكل بساطة، معرفة مكان دفن الجثامين، واستخراجها، وحملها مكرمة إلى البلدة المعنية لتقديم الاعتذار عما ارتكبه المجرمون، وإنهاء ما تراكم من عداء أو كراهية. ولا يمكن فعل ذلك دون مساعدة من المجرمين أنفسهم.
الإرهابيون لا يساعدون. بل يبيعون ويشترون. أحدهم مسؤول عن إحدى هذه الجرائم أبلغ متابعي القضية من الأهالي بوضوح: ادفعوا 100،000 دولار لأدلكم على مكان الدفن!

عودة المجرمين برعاية السلطات!
وكأن أربع سنوات الاحتلال (والحصار) لم تكف أهل التل العريقة، وكأن كل هذا الابتزاز الذي يضغط الناس لحظة بلحظة دون أي مبرر لا يكفي، حتى يصفع هؤلاء الناس صفعة قوية بخبر تسرب سرا أولا، ثم ثبت حقيقة: بعض كبار الإرهابيين الذين تم ترحيلهم إلى إدلب، عاد إلى التل بغطاء من بعض أجهزة المخابرات!

نعم، هذا حقيقي: بعض كبار المجرمين الذين قتلوا مدنيين وعسكريين، لديه ما يكفي من المال لكي يدفع لبعض المجرمين داخل هذه الأفرع الأمنية، فيؤمن عودته إلى تل منين، بعيدا عن احتمالات الخطر في إدلب وغيرها، وقريبا من ثرواته التي يعتقد البعض أنه دفنها في مكان ما هنا.

يقول الناس: نعرف أن بعض هؤلاء "العائدين" ربما كانوا قد رتبوا أمورهم قبل أن تتم "المصالحة". ربما كان بعضهم أيضا يعمل مع هذه الأجهزة. لكن بعضهم الآخر هو بالتأكيد مجرم قاتل نعرف من هم وماذا فعلوا! فكيف تتم إعادتهم هكذا، بهذه البساطة؟ 
"هل يريدون أن تنفجر عمليات ثأر داخل التل وبينها وبين البلدات المجاورة بسبب جرائم هؤلاء؟ هل يريدون إعادة استخدامهم لبث الرعب بيننا؟" يتساءل رجل عجوز بقهر.

جرى تداول كلام في المدينة عن أن عودة هؤلاء اشترطت بالكشف عن مخابئ الأسلحة التي تركوها وراءهم. الجميع يؤكد أن رصاصة واحدة من تلك المخابئ لم يكشف عنها حتى لحظة إعداد هذا التقرير!

"لجنة التنمية" التي شكلها ناشطون في المدينة، أطباء ومهندسون وتجار وغيرهم، وتقوم بعمل ضخم في المدينة، قررت رفع كتاب إلى السلطات تعلن فيه بوضوح رفضها لإعادة هؤلاء، وتطالب السلطات بإخراجهم من المدينة. لكن اللجنة مترددة.. لم تحسم خيارها بعد. فالأمر ليس بهذه البساطة مع معرفتهم بأن عودة هؤلاء لم تكن "تهريبا" على غفلة من أعين السلطات، بل بتواطئ منها. رغم أن جميعهم بلا استثناء رفض الحديث عن هذا الأمر!


من يسعى لتفجير المدينة؟!
رغم طول الشرح أعلاه، فهو لا يغطي سوى أقل من 10 % من واقع تل منين اليوم، خاصة لا يغطي شيئا من العمل الجبار الذي قام به أهلوها، سواء تحت الاحتلال أو منذ تحررت إلى اليوم.

لنعد الآن بناء الصورة من أجزائها المشروحة أعلاه. ستبدو النتيجة واضحة:
لم يكتف الإعلام السوري والموتورين والمسوخ في النظام بتشويه صورة تل منين وإظهارها على أنها "قلعة إرهابية معادية للدولة"، أو بالاسم الذي يفضله هؤلاء "بيئة حاضنة"! 

بل إن ما يجري منذ تحررت إلى اليوم من ممارسات السلطات والأجهزة المتنفذة.. من ضغط متلاحق على الحياة اليومية لهذه المدينة، يشير بكل وضوح إلى أن هناك، في مكان ما متنفذ من النظام، من لا يريد لهذه المدينة أن تستعيد حياتها الطبيعية! هناك من يريد إبقاءها "مزرعة" لنهبه وتشبيحه! هناك من يدوس مصلحة الوطن بأظلافه الفظة غير عابئ بأي نتائج قد تترتب على ذلك! 
هناك، من هو بالتأكيد بعيد عن الجبهة ومقتضياتها، يسعى بكل طاقته لـ"يفجر" مدينة التل غضبا وقهرا، فقط  من أجل المزيد والمزيد من الثروة، المزيد والمزيد من الاستزلام!

"هل تظن أن أحدا سيسمع هذا الكلام وسيتجاوب؟ هل تظن أن عقوبتنا هذه ستنتهي قريبا؟" يتساءل بعض أهل التل بقلق شديد. قلق من أن "يطفح الكيل" فيجد بعض الإرهابيين الذين قد يكونوا مختبئين، أو السماسرة والمستزلمين الذين لا وطن لهم ولا انتماء سوى مصالحهم، يجدونها فرصة سانحة لقلب الطاولة على الجيش السوري رغم كل تضحياته، وعلى السكان الذين صمدوا وأعادو مدينتهم إلى دولتها! قلب طاولة، إن نجح، سيكلف جيشنا الكثير الكثير، ويكلف كل من في المدينة أكثر بكثير!


خارج السياق:
بشكل مفاجئ سألت مجموعة من الرجال: هل تريديون للرئيس الأسد أن يرحل عن السلطة؟!
للوهلة الألى دهشوا من السؤال الغريب المفاجئ! ولكنهم تحدثوا جميعا، بكل وضوح، وبالمعنى نفسه: لسنا مهتمين بمن يرحل ومن يبقى.. بشار الأسد هو رئيس دولتنا التي نعيش فيها، ولم نر منه شرّا. نحن نريد بقاء الدولة فهي دولتنا. ونريد هذا الجيش فهو جيشنا. 


*- الآلاف من أبناء التل اليوم يقاتلون مع الجيش السوري، أو القوات الرديفة له. وخلال التجوال في المدينة رأيت العشرات منهم يتجولون فيها كل اطمئنان.
**- حرصا على عدم تضرر أحد من الذين التقيتهم، لم أقم أصلا بالسؤال عن اسم أي شخص. وبالتالي لا وجود لأي أسماء في هذا العرض أعلاه.


بسام القاضي
2017/5/19