الثلاثاء، 16 مايو، 2017

القيادة "القومية" لحزب البعث: مَن يبعثُ الميّت؟!


سرّاً، كما لو كان أمراً مشيناً، أو كما لو كان أمراً لا يهم أحداً سوى أساطين هذا الحزب الذي قبض على السلطة والسياسة والعمل المجتمعي لأكثر من نصف قرن، عقد حزب "البعث العربي الاشتراكي" الحاكم في سورية (رغم زوال المادة الثامنة المشينة من الدستور)، مؤتمره "القومي" الرابع عشر، بعد أن مضت نحو 37 سنة على مؤتمره السابق، الثالث عشر!


وسراً لا تعني أن الاجتماع نفسه عقد سراً، بل تعني أن أي تحضيرات تليق بمسمى "قومي" لمؤتمر كهذا الحزب، كانت تحتاج عملاً طويلاً عريضاً، حتى ولو من باب "الضحك على اللحى"، تحضيرات تتعلق بالأسس الإيديولوجية والمرتكزات النظرية والتنظيم والنظام الداخلي و.. من قضايا كانت هي التي منعت من عقد هذا "المؤتمر" طوال العقود الماضية، خوفا من أن يفتضح!

فإن دعا فعلا إلى "مؤتمر قومي"، أي تحضر فيه جميع أحزاب "البعث" في الدول المكناة بالعربية، فلدى هذه الأحزاب الكثير الكثير مما ستقوله للقيادة المحتكرة في دمشق. وإن لم يدعو، سقطت صفة "القومية" على أن سقوطها تحصيل حاصل!

دأب بعض البعثيين على التمييز بينهم وبين من يصفونهم بـ"المتسلقين"، أولئك الذين لا يعتقدون بالحزب وعقيدته، بل فقط يستخدمونه مطية لسلطة ليس فيها "منادٍ" إلا بعثي (أو من شركائه في الديكور المسمى "الجبهة الوطنية التقدمية"). فلنستعير منهم هذا التمييز ولنقل: ربما لم يخب أمل أحد من هذه الهمروجة المسماة "مؤتمرا قوميا" أكثر مما خاب أمل هؤلاء! فهم الآن في أشد لحظاتهم ضعفا في الدفاع عن قناعاتهم الأساسية بـ"الأمة العربية" و"التاريخ المشترك" و"المصالح المشتركة".. ليأتي عقد "المؤتمر" بهذه الطريقة إعلاناً رسمياً بأن شيئاً لم يتغير: لا الحزب سينفض ركام السلطة التي أثقلته لعقود، ولا القيادة ستنفض أطنان التكلس التي حولتها إلى مومياء، ولا..!

بدون مقدمات سوى تسريب صغير لجريدة الوطن السورية قبل أيام عن احتمال عقد هذا المؤتمر قريبا، أعلنت وكالة الأنباء السورية الرسمية الخبر على النحو التالي: "انعقاد المؤتمر الـ 14 لحزب البعث بمشاركة مندوبين عن التنظيمات القومية بدول عربية والقيادة القطرية واللجنتين المركزية والرقابة ومراقبين. وقدمت القيادة الحالية استقالتها للمؤتمر الذي أقر تشكيل مجلس قومي بديل لصيغة القياة القومية"!

ولا حتى كلمة واحدة عن ما يفترض أن "القيادة القطرية" ستقدمه للمؤتمر كتقرير عن العقود الثلاثة الماضية (بين مؤتمرين)! ولا حتى إشارة إلى طبيعة هذه الوفود ومن تمثل على أرض الواقع! لا شيء عن واقع "العمل العربي المشترك"! لا شيء عن خضوع المنطقة لإملاءات العثماني والفرنسي والأمريكي و..! لا شيء عن تقسيم السودان، ومشروع تقسيم العراق وسورية!..
لا شيء عن أي قضية هامة أو تافهة في أي من القضايا الرئيسية لهذا الحزب الذي شكل أهم القوى السياسية التي تحدثت عن "العروبة" كقومية منذ نحو قرن إلى اليوم!

مع ذلك، يظهر تأمل هذا البيان أمران أساسيان.
الأول: أن الحزب اعترف، وإن ضمنيا، أن قيادته القومية (ولا يعني هذا أن "القطرية" في حال آخر! بل المؤتمر هو لـ"القومية") لم تكن قيادة ديموقراطية في يوم من الأيام! هذه العبارة التي كانت كفيلة بأن تُذهب من يقولها إلى غياهب الزنازين إن لم يكن سلطوياً مدعوماً، وكفيلة بتهميشه إلى أبد الآبدين إن كان كذلك!

فالحزب ألغى "القيادة القومية" ونصب مكانها "المجلس القومي" تطبيقا "لمبدأ القيادة الجماعية للتنظيمات القومية". وطبعا: دون أن نفهم أي شيء عن هذا "المجلس"، وإن كان إسماً آخر للمسمى نفسه، أم سيحظى ببعض "القواعد" الجديدة التي تجعله "مجلساً" حقا.

الثاني: أن الحزب نفض يده من فكرة "بعث" القومية العربية التي اقتضت المركزية في كل أوجه وجوده خاصة منذ استولى على السلطة في سورية والعراق. فمنذ اليوم صار كل حزب تنظيم مستقل.. يقوم هو باختيار قيادته وأنظمته الداخلية واسمه.. بل حتى سياساته!

مهما قلنا، فإن هذا الأمر يشكل اعترافا نهائيا بأن "الوطن العربي" ليس إلا (أو لم يعد إلا) حبراً على ورق! حبراً انمحى الكثير من أثره منذ وُضع دستور هذا الحزب (1947) حتى اليوم، فلم يعد يمكن وضع "سياسة عامة" له، بل صار لا بد من سياسة "قطرية" خاصة..

ربما كان أفضل لهذا الحزب أن يستمر في "تعليق" هذا المؤتمر، حتى لو عشر أو عشرين سنة أخرى، ما دام غير قادر على التحضير له، ليس فقط بتقرير سياسي وتنظيمي واقتصادي كما يفترض بأي حزب يحضر لمؤتمره، بل حتى بورقة واحدة تناقش أي تطورات طرأت على واقع هذا "الوطن العربي الكبير"، وقد التهمت أغلبه قطعان الأخونجية والوهابية والطائفية بكل أشكالها وأسمائها.. ونهبه واستزلمه الغرب الإستعماري من "الباب والشباك" معا، وتعزز انفصال كل "قطر" فيه عن الآخر حتى عاداه وحاربه وحرقه ودمره وقتل أطفاله.. ليس فقط على مستوى "الأنظمة"، بل أيضا، مهما كان الأسف، على مستوى "الشعب" أيضا.


بسام القاضي
2017/5/14