الخميس، 4 مايو، 2017

كميل أوتراقجي: المغتربون الموالون للدولة السورية خائفون ومتفرقون!

انتقادات كثيرة وجّهت للمغتربين السوريين بشأن دورهم في صدّ الدعاية الغربية المتآمرة على وطنهم، وكشف حقيقتها، وتبيان ما يجري في بلادهم من ثورة الأخوان الإرهابية، وتركزت الانتقادات على تسخير وقتهم وأقلامهم لصالح النشاط باللغة العربية، مع التوجه للسوريين في الداخل السوري، بدلاً من توجيهها للرأي العام في البلدان التي يعيشون فيها، مستغلين معرفتهم بلغاتها.

قبل فترة نشرت "آسيا نيوز" تقريراً عن المغترب السوري "كيفورك ألماسيان" صاحب مبادرة "تحليلات سورية" المتضمنة تقديمه فيديوهات من إعداده وتصويره وتعليقه، يرفعها على "يوتيوب"، وتتضمن تعليقاً باللغة الإنكليزية على أحداث تجري في سورية، وتمكنت هذه المبادرة الصغيرة والجديدة من تحقيق حضور معقول نسبياً في الجمهور الغربي رغم حداثتها.


وسبق أن أطلقت مبادرات شبيهة منذ بداية الحرب الأخونجية ضد الدولة السورية (2011)، لكنها سرعان ما تراجعت وانطفأت دون أن تترك أثراً هامّاً.

وإذا تصفحت مواقع الصحف الغربية، على سبيل المثال، ستجد الكثير من التعليقات المكتوبة على مواد تخصّ سورية، صادرة عن أشخاص يؤيديون ثورة الأخونج الإرهابية ويطعنون بوطنهم ودولتهم، ولكنك قد لا تجد تعليقاً واحداً لسوري موالٍ لدولته وجيشه!

المغترب السوري "كميل أوتراقجي" (كندا)، ناشط في الدفاع عن سورية منذ أواسط العقد الماضي، ومؤسس عدة مواقع متعلقة بالشأن السوري، بينها "إبداع سوري"، والشخص الأساسي في مبادرة كان يؤمل منها أن تكون رافعة في لمّ شمل معارضين وطنيين للوصول إلى رؤية مشتركة، سُمّيت بـ"مشروع الحوار السوري"، هو أحد الذين نشطوا أيضاً في الرد على الادعاءات الغربية خلال سنوات الحرب الأولى، لكن نشاطه تراجع لصالح الكتابة بالعربية، والموجهة أساساً للسوريين في الداخل.

"كميل" يصف ما حدث في سورية بأنه "ثورة النرجسية والطائفية والغباء". ويتفق مع أن عدداً كبيراً من السوريين في المغترب لا ينشطون في تصحيح "الانطباعات الغربية عن الأزمة" وأن أكثر الناشطين يكتبون باللغة العربية، ولا يستخدمون لغات بلدانهم في التعبير عن آرائهم، لكن له قراءته حول أسباب ذلك.

"حين يكتب المغتربون باللغة العربية لا يكون ذلك دائماً للهروب من الكتابة بلغات البلدان التي يعيشونها" قال كميل لـ"آسيا"، يشرح عن حالته هو شخصياً، فيعيد بعض أسباب ازدياد نشاطه في اللغة العربية على حساب الإنكليزية، إلى تحسن قدرته الشخصية على الكتابة بالعربية أولاً.

في الوقت نفسه، يؤكد أن عدداً كبيراً من السورييين الموالين لدولتهم ووطنهم يتجنبون الحديث علناً عن مواقفهم، "المعارضون في الغرب لديهم صوت قوي ومؤثر، ولذلك يخشى بعض الموالين للدولة من ظهور مواقفهم المؤيدة، حتى لا يظهروا كما لو أنهم يعارضون سياسات الحكومات التي يعيشون في كنفها"، يتابع كميل: "ولهذا مبرراته، فمعارضو الدولة السورية منظمون وأقوياء، وممولون حتى من الحكومات الغربية.. هم يمشون مع الريح.. بينما الموالون للدولة السورية وجيشها متفرقون وبإمكانياتهم الفردية.. ويتعرضون لضغوط حقيقية في بعض الحالات إن عبّروا عن مواقفهم بصراحة".

يأتي "كميل" بمَثل واقعي: سوري مغترب كان يعمل في مركز هامّ ضمن شركة هامّة بالولايات المتحدة الأمريكية، خاض نقاشاً علنياً على فيسبوك مع أحد مؤيدي "الثورة"، وأظهر بوضوح تأييده لدولته وجيشه، فاستنفر أولئك قواهم، وأرسلوا عشرات الرسائل إلى الشركة تطالبها بفصله، لأنه "مؤيد لقاتل الأطفال" (يقصدون الرئيس بشار الأسد، وفق الصيغة التي يتداولها مرتزقة الإرهاب)، وجرت مساءلته لماذا يتحدث بالسياسة! فاضطر للادعاء أن ذلك "الحساب" المعني قد تمّ تهكيره!

مثل هذه الأثمان تدفع فقط حين تكون في مثل هذه الشركات، أما إذا كنت تعمل لنفسك أو مع الحكومة أو ما شابه، فالخوف من الثمن هو وهم. فالسلطات الغربية لم تمارس أي قمع ضد مواطنيها بسبب مواقفهم السياسية، ضمناً المخابرات.

"كميل" يرى أن المهارات اللغوية لا تكفي لتحقيق هذا التأثير، فتنظيم العمل هامّ أيضاً، وكذلك معرفة آليات التواصل مع الجمهور الغربي. "المعارضون منظمون جيداً، وقد تدربوا قبل سنوات طويلة على آليات وأسس الخطاب الذي يلامس الرأي العام الغربي، عبر دورات كثيرة عقدت تحت مسميات عدة منذ علموهم كل أدوات التواصل.. علموهم على الثورة عمليا"، أما المؤيدون فلم يحظوا بمثل هذه الفرصة.

"في كل مرة طلب مني ترشيح أسماء موالية للدولة للمشاركة في برامج على قنوات أجنبية، اعتذر من رشحتهم عن المشاركة"! المبررات كثيرة: "بهالبلد ما فينا نحكي بالسياسة"، أو "الثوار قريبون من أهلي وقد ينتقمون منهم"، أو ما إلى ذلك، مبررات يعتقد كميل أن لها بعض المشروعية.

"الناس لم يعودوا يرغبون بقراءة مطولات" يقول كميل، "ونحن قلنا أغلب ما لدينا خلال سنوات الحرب الطويلة.. هذا لعب دوراً في تراجع نشاطنا بكتابة المقالات". "كميل" معروف بورقته التي قدمها دفاعاً عن سورية ضد السفير الأمريكي السابق في دمشق، روبرت فورد، وتفاعل معها السفير وقتها، وردّ على مرافعة "كميل" الذي تابع النقاش بعرض موثق مطول. "لكننا ما زلنا نشيطين باللغة الإنكليزية على تويتر مثلا".

"فيديو من دقيقة، أو حتى نصف دقيقة.. تعليق من بضع جمل".. هذا ما هو دارج الآن، وهذا ما يجب فعله، لكننا نحن الموالين للدولة مقصرون في إتقان فن الاختزال هذا.

ثم "هناك مقاطعة شبه تامة للموالين للدولة السورية" من قبل الإعلاميين الغربيين، فحين يرد "كميل" على هؤلاء على حساباتهم في تويتر مثلاً، يتجاهلون تعليقاته الموثقة، علماً أن كثيرين منهم كانوا أصدقاء شخصيين له، بينما تعطى كل المساحة حين تكون معادياً لوطنك وجيشك!

وعلى الرغم من كل هذه المبررات، تبدو تجربة الإعلام الروسي في "غزو" القلعة الغربية، والتأثير على الرأي العام الغربي ناجحة. "كميل" يوافق على هذا، ويستنتج: "نحتاج إلى أمرين حتى نستطيع فعل تأثير مشابه، الأول هو قرار بفعل ذلك من شخص أو جهة، قرار ليس حبراً على ورق! والثاني هو إتقان وسائل الإعلام الغربي وأدواته في التأثير على الرأي العام"، وهما أمران توفرا للإعلام الروسي الموجّه للغرب، فتقدم.

يضيف "كميل" اعتباراً آخر وصفه بالهامّ: "عندما تريد فعل ذلك يجب أن تتمتع بالمرونة الكافية لتكون قادراً على التفاعل مع أعدائك، انظر إلى الجزيرة القطرية، هي حريصة دائماً على استضافة من يمثلون رأي السلطات السورية (بغض النظر عن أي تحفظات حول هذا الأمر)، وهذا ما يخلق الديناميكية المناسبة لترويج ما يريدون". فهل لدى السلطات السورية القدرة على استضافة من يدعمون "الثورة" في الإعلام السوري؟ على الأرجح لا.

ست سنوات ونيف منذ بدأت الحرب، ربما كان المعادون لوطنهم قد تدربوا جيداً.. لكن ألم تكن كافية لنتعلم نحن أيضاً؟

يرى "كميل" تطوراً إيجابياً طفيفاً خلال هذه السنوات، تمثل في إتقان "الرئاسة" لأدوات وآليات التعامل مع الإعلام الغربي، من حيث الاشتراطات المسبقة والصيغ الملائمة غير القابلة للتأويل، وما إلى ذلك. "صرنا نعرف زعبراتهم" يقول كميل. السوريون في الخارج تعلموا قليلاً أيضاً، أما غير ذلك فلا يرى تطوراً يذكر: "بشكل عام يمكن وصف جانبنا من هذه المعركة بالفشل".

ويستدرك: "لم يكن الفشل تاماً" ففي خضم الهستيريا الأمريكية 2013 لضرب سورية، تلقى الأمريكيون عدداً كبيراً من الإميلات والرسائل تدعوهم لرفض الذهاب إلى الحرب، وشارك في هذا النشاط المميز سوريون وسوريات، ويعتقد "كميل" أن هذا النشاط ترك أثراً في النتيجة التي وصلت إلى انكفاء الهستيريا الأمريكية، وإن كانت حلت بنزع سلاح سورية الكيماوي.

القرار، التنظيم، والتمويل. ثلاثة قوائم تشكل القاعدة التي يمكن استناداً إليها تغيير هذا الواقع في الدفاع عن قضيتنا الوطنية ومعركتنا المصيرية في داخل الرأي العام الغربي.

"على الحكومة السورية الاقتناع بأن تستثمر في الإعلام كما تستثمر في أي مجال آخر". يؤكد "كميل" أن الاستثمار هنا يعني أولاً إتقان هذه العملية وإدارتها بشكل صحيح ومنتج، وليس تكرار تجارب فاسدة وفاشلة، وهو استثمار يكلف نقوداً بالتأكيد، لكن ما يكلفه هذا الاستثمار هو أقل بكثير من استثمارات أخرى أقدمت عليها الحكومة السورية، ولا يذكر قياساً بالنتائج المتوخاة في تغيير بعض اتجاهات الرأي العام الغربي، فكيف إن قارناها بتكلفة الحرب نفسها المقدرة بمئات مليارات الدولارات؟!"

الاستثمار ليس في القنوات والوسائل الرسمية فحسب، بل أيضاً عبر دعم المبادرات الشخصية والخاصة التي تتوجه للرأي العام الغربي، وتقوم على أسس وطنية صحيحة حتى إن اختلفت مع سياسة الحكومة.

بالطبع، مثل هذا الاقتناع والاستثمار سيكون فاشلاً سلفاً إن لم تقتنع الحكومة بأن الإعلام لا يكون "لساناً رسمياً" ينطق بما لدى الحكومة فحسب، بل يكون إعلاماً حقيقياً يستغل حتى أكثر مواليّ "الثورة" تطرفاً، ليخدم عمليته الإعلامية. الإعلام لا يكون بالأثر الفوري للكلمة فحسب، هذا وجه واحد، بل أيضاً بالمحصلة التي تأتي من كثير من العناصر، بعضها يبدو سيئاً إذا نظرت إليه بشكل مفرد.

محور الحلفاء المسمى "مقاومة" تقدّم في الإعلام الناطق بالعربية، حسب كميل، فقناة "الميادين" تجربة ناجحة إلى هذا القدر أو ذاك. لكنه ما زال منكفئاً في اللغات الأخرى، الإنكليزية بخاصة. فإن تواجد يكون بلغة غير مقبولة ولا جذابة، بل بأدوات منفرة. تجربة قناة "برس تي في" الإيرانية (باللغة الإنكليزية) هي محاولة جيدة أيضاً، لكن عقبات من نوع أن جميع المذيعات محجبات شكلت عائقاً في رواجها.

ما قاله "كميل أوتراقجي" المغترب السوري، بشكل ممنهج وواضح وسلس، هو أيضاً ما تلمسه في كثير من الحوارات الجادة مع سوريين وسوريات، أرداوا أن يكونوا في جبهة الدفاع عن وطنهم، لكن اعتبارات كهذه المذكورة أعلاه أجهضت إرادتهم أو همشتها.

ربما يكون هذا كله صحيحاً وكافياً لتبرير الواقع، واقع الفشل السوري في التواصل مع الرأي العام الغربي. رأي يؤثر في سياسات حكوماته مهما ادعينا غير ذلك، رأي يتأثر بما يراه ويسمعه، ويبني قناعاته بناء على ذلك، ويطالب حكوماته بترجمة تصوراته. أي أن الحلقة الأساس هي في "ما يراه ويسمعه"، فحين نستطيع إقناعه بأن هناك حقائق أخرى غير تلك التي يروجها الإرهابيون وشركاؤهم، سيستطيع هو أن يؤثر على سياسات حكوماته في أوروبا وأمريكا وغيرها.

لكن الاعتراف، اعترافنا، بهذه الحقيقة قد يكون خطراً، فهذا اعتراف بأن الديموقراطية في الغرب ليست وهماً، ليست كذبة، وأن الناس يؤثرون فعلاً على صناع القرار، فإذا وصلنا إلى هذا الاعتراف، كيف سنتمكن من رفض الديموقراطية بالذريعة الأكثر رواجاً: "إنها مجرد كذبة"؟!

بسام القاضي
2017/5/4

نشرت في "وكالة أنباء آسيا"